منطق تبخيس المؤسسات: الخطاب العدمي

0

#المحور24
في زمن كثرت فيه منصات التعبير وتعددت وسائل إيصال الرأي، ظهر نمط جديد من الخطاب السوداوي الذي يتبناه بعض الأصوات بحجة “النقد” و”حرية التعبير”، لكنه في الحقيقة لا يعدو كونه خطابًا عدميًا يُسقط كل ما هو مؤسساتي، ويرى في كل إنجاز علامة على الفشل، وفي كل مسؤول مشروع خيانة مسبقة.

يرتكز هذا “المنطق الأعرج” على فرضية مُسبقة مفادها أن كل مؤسسات الدولة مشبوهة، وكل الفاعلين فيها مدانون سلفًا، وكل المبادرات محط ريبة واتهام. ولا يقف أصحاب هذا الخطاب عند حدود التشكيك، بل يتعمدون تهويل الأخطاء وتضخيم الهفوات، دون تقديم بدائل واقعية أو حلول ملموسة. فهم لا ينخرطون في النقد البناء، ولا يعترفون بالتعقيدات الموضوعية التي تكتنف العمل السياسي والمؤسساتي، بل يختبئون وراء شعارات براقة، يرددونها كأنها حقائق مطلقة.

وما يثير القلق هو أن هذه السوداوية ليست مجرد رأي شخصي، بل تحوّلت لدى البعض إلى “مهنة” في جلد الذات، ومجال لتحقيق شهرة سريعة على حساب صورة الوطن ومؤسساته. إن الفوضوي الذي يتحدث بلغة الحرية، ويُخفي وراءها أجندات تهدف إلى تقويض الثقة في الدولة، لا يختلف في خطورته عن خصوم الديمقراطية الحقيقيين. فهو بوق لفوضى مقنعة، يُغلفها بشعارات الحرية وحقوق الإنسان، بينما يفتقر في العمق إلى أي التزام جاد بالقيم الوطنية، أو سعي حقيقي للإصلاح.

المطلوب اليوم ليس إسكات النقد، بل توجيهه وتطويره. فالديمقراطية الحقة تقوم على الرقابة والمساءلة، لكن أيضًا على الانخراط الإيجابي في الشأن العام، وعلى تحمل المسؤولية في بناء الوطن لا هدمه. أما تبخيس كل ما هو رسمي، والتنكر لكل إنجاز، فهو اختزال مُخلّ للواقع، ومساهمة في خلق مناخ من الإحباط الجماعي والتشكيك الدائم، وهو ما لا يخدم لا المواطن ولا الوطن ول حتى وزة .

إن المغرب، كدولة تتقدم بثبات على درب الإصلاح والتنمية رغم الإكراهات ، يحتاج إلى طاقات نقدية بنّاءة، لا إلى أصوات سوداوية تعيد إنتاج نفس الخطاب العدمـي المُنهك، الذي لا يرى في المرآة سوى القبح، ويتجاهل عن عمد ملامح الأمل والعمل التي ترسمها الكثير من المبادرات الوطنية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.