لماذا يرفض 52% من العزاب دخول “القفص الذهبي”؟
الرباط – #المحور24
في رقم أثار الكثير من الجدل والصدمة في الأوساط المغربية، كشفت تقارير أن 51.7% من العزاب المغاربة (الذين تتجاوز أعمارهم 18 سنة) لا يرغبون في الزواج. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية عابرة، بل هو مؤشر على تحول بنيوي عميق في هوية الأسرة المغربية، وانتقال من “مجتمع العائلة” إلى “مجتمع الفردانية”.
تتداخل العوامل الاقتصادية مع التحولات القيمية لتشكل حاجزاً أمام الارتباط الرسمي، ويمكن حصر أبرز الأسباب في النقاط التالية:
1. الكابوس الاقتصادي و الخوف من المجهول
يظل العامل المادي هو “العقبة الكأدودة”. مع الارتفاع الصاروخي في تكاليف السكن، وتوالي موجات الغلاء، أصبح بناء “بيت الزوجية” يتطلب ميزانية تفوق قدرات الشباب حديثي التخرج أو العاملين في مهن بسيطة. البطالة والهشاشة في سوق الشغل تجعل الشاب المغربي يشعر بعدم “الأهلية المالية” لقيادة أسرة.
2. تغير “تمثلات” الزواج (الفردانية الصاعدة)
لم يعد الزواج بالنسبة للعديد من الشباب المغربي “قدراً محتوماً” أو المسار الوحيد لتحقيق الذات. هناك صعود قوي لثقافة الاستقلال الفردي؛ حيث يفضل الشباب الاستثمار في مسارهم المهني، السفر، أو الاستمتاع بالحياة الشخصية دون تحمل مسؤوليات التربية والإنفاق على الغير.
3. “الفوبيا” من القوانين والطلاق
تشير التقارير إلى أن النقاشات الدائرة حول “مدونة الأسرة” والتعقيدات القانونية المرتبطة بالطلاق والنفقة، خلقت نوعاً من التوجس لدى فئة واسعة من الرجال تحديداً. الكثيرون باتوا ينظرون إلى الزواج كمخاطرة قانونية ومادية قد تنتهي بتبعات ثقيلة في حال الفشل.
4. استقلال المرأة اقتصادياً
خروج المرأة المغربية للعمل وتحقيق استقلالها المادي قلل من دافع “الزواج من أجل الحماية المادية”. باتت المرأة أكثر انتقائية، ولم تعد تقبل بالزواج التقليدي الذي قد يحد من طموحها أو استقلاليتها، مما أدى لرفع سن الزواج أو العزوف عنه تماماً.
هذا التحول الجذري لن يمر دون ترك بصمات واضحة على مستقبل البلاد، ومن أبرز النتائج المتوقعة:
– الشيخوخة الديموغرافية: مع تراجع الزواج، ينخفض معدل الإنجاب بشكل حاد. المغرب يسير بخطى سريعة نحو مجتمع يشيخ، مما سيطرح تحديات مستقبلية حول نظام التقاعد والرعاية الصحية للمسنين.
– سيادة “الأسرة النووية” والعزلة: تراجع نمط الأسرة الممتدة (التي تضم الجد والجدة والأقارب) لصالح أسر صغيرة جداً أو أفراد يعيشون بمفردهم، مما يضعف شبكات التضامن العائلي التقليدية.
– ارتفاع معدلات “العزوبة النهائية”: لم يعد الأمر يتعلق “بتأخير” الزواج فقط، بل بالوصول إلى سن الخمسين دون زواج، وهو ما بدأ يظهر بوضوح في الإحصائيات الأخيرة.
– الضغط على الصحة النفسية: رغم البحث عن الاستقلالية، إلا أن تراجع الروابط الأسرية قد يؤدي مستقبلاً إلى زيادة حالات العزلة الاجتماعية والاكتئاب، خاصة مع غياب مؤسسات بديلة تقوم بدور الأسرة في الدعم النفسي.
إن رقم 52% هو “جرس إنذار” لصناع القرار. المجتمع المغربي يتغير من الداخل، ولم تعد المقاربة الأخلاقية أو الوعظية كافية لإقناع الشباب بالزواج. نحن أمام واقع يتطلب سياسات عمومية جديدة تدعم السكن، وتوفر فرص شغل قارة، وتعيد بناء الثقة في مؤسسة الأسرة بما يتلاءم مع القرن الحادي والعشرين.