قنطرة تانسيفت: عندما تحدث التاريخ وتصمت “الميزانيات”!

0

#المحور 24
​في الوقت الذي نتبجح فيه بدخول عصر “الذكاء الاصطناعي” والرافعات العملاقة، قررت قنطرة تانسيفت أن تخرج عن صمتها، لا لتشيد بإنجازاتنا، بل لتعلن “استقالتها” المبكرة قبل أن تكمل نصف قرن من الخدمة. وبينما كانت القناطر قديماً تعانق الوديان لقرون بـ”النية” و”الحجر”، يبدو أن قناطرنا الحديثة أصيبت بـ “هشاشة العظام” السياسية قبل الأوان.
​في دردشة لم تكن لتمر مرور الكرام، سألنا أحد نواب رئيس الجماعة عن سر صمود قناطر الأجداد وانهيار قناطر “الحداثة”، فجاء رده كالقذيفة، صادقاً لحد الوجع وصادماً لحد الذهول. قالها بمرارة: “أسلافنا لم يعرفوا النفاق ولا الشقاق، ولا ميزانيات يُزايد عليها في قاعات الاجتماعات.. كان هناك عمل، إتقان، و(تارجليت)”.
​هذا الاعتراف ليس مجرد رأي عابر، بل هو “تشريح جنائي” لواقع البنية التحتية. ففي الماضي، كان “المهندس” هو الضمير، و”المقاول” هو الشرف، أما اليوم، فيبدو أن “تارجليت” (الرجولة والشهامة) قد تم تعويضها ببنود معقدة في دفاتر التحملات، تذوب مع أول قطرة غيث.
​من الناحية التقنية، نملك اليوم ما لم يملكه الأجداد؛ إسمنت مسلح، برامج محاكاة زلزالية، وآلات تحفر في الصخر. لكن، وأمام حالة قنطرة تانسيفت، يطرح السؤال نفسه: لماذا صمدت قناطر الرومان والأندلسيين بـ “الجير والرمل”، بينما تترنح قناطرنا المدججة بالحديد؟
​التحليل النقدي يجرنا إلى استنتاج مرير: يبدو أن التطور لم يشمل فقط آليات البناء، بل شمل أيضاً أساليب “تاحراميات”. لقد انتقلنا من زمن كان فيه البناء “عبادة” وخدمة للوطن إلى زمن أصبح فيه المشروع “بقرة حلوب” يتم تقاسم أرباحها قبل أن يوضع حجر الأساس.
​المفارقة الساخرة التي نعيشها اليوم تتجلى في ذلك “الفصام” العجيب؛ جيل يهتف بملء حنجرته “ديما مغرب” مع كل هدف للمنتخب الوطني، بينما يغض الطرف (أو يشارك) في سرقة ميزانية وطنه. إنها الوطنية “الموسمية” التي تتوقف عند حدود الكرة، بينما تخرب مستقبل أجيال بحرمانهم من طريق آمن أو قنطرة صلبة.
​إن ما حدث لقنطرة تانسيفت ليس “قضاءً وقدراً”، بل هو نتيجة حتمية لغياب “تامغرابيت” في تدبير الشأن العام. فإذا أردنا بناء قناطر تصمد للزمن، علينا أولاً ترميم “قنطرة الأخلاق” التي انهارت بين المسؤول والمواطن.
​الدرس المستفاد من أسلافنا بسيط: القناطر لا تثبت بالإسمنت فقط، بل بصدق النوايا.. فهل من متعظ؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.