تناغم الزهد: حين تصبح الحروف بوابات إلى المطلق مع نور الدين المراكشي(صور)

0

#المحور24

نظم الفنان نور الدين المراكشي، مساء أمس الجمعة 5 دجنبر 2025 في تمام الساعة الخامسة مساءً بقصر الباهية بمراكش، معرضًا تشكيليًا فريدًا تحت عنوان “حروف اختزلت مسار الحياة: الميم، الحاء، والدال”. يندرج هذا المعرض ضمن فلسفة “الفن الأصتيكي”، التي يطرحها المراكشي كدعوة جريئة للتأمل في أبعاد الوجود الإنساني، من المهد إلى اللحد، عبر تجربة بصريّة تلامس حدود الروح والبساطة.الفن الأصتيكي، كما يصفه نور الدين المراكشي، هو محاولة للتحرر من الزخرفة والاصطناع الذي يغزو المشهد الفني المعاصر، بالاعتماد على الأبيض والأسود فقط، كألوان تختزل ثنائية الوجود — النور والظلمة، الحياة والموت، الفرح والحزن. هذه الثنائية ليست مجرد تقنية فنية، بل هي إشارة رمزية إلى تعاقب الأشياء وتجددها، وإلى البحث الدائم عن التوازن بين المتناقضات. المراكشي يرى في هذا الفن وسيلة لربط الزهد كحالة وجود بالفن كفعل إبداعي، مؤكدًا على ضرورة العودة إلى جوهر الأشياء، وتجريدها من كل ما هو غير ضروري.يستخدم المراكشي الحروف العربية — “الميم” و”الحاء” و”الدال” — كرموز تعبيرية عميقة، مستوحاة من اسم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، لترمز إلى رحلة الإنسان بين الولادة، الحياة، والرحيل. هذه الحروف، ببساطتها وتجريدها، تفتح أفقًا واسعًا للتأمل في معاني الكينونة، وتدعو المشاهد إلى مساءلة الذات والبحث عن المعنى العميق للحياة. كل حروف المعرض تتشكل في تناغم قوي، خالية من التفاصيل الزائدة، لتجعل المتلقي يواجه مباشرةً الأسئلة الجوهرية حول الوجود.

من خلال “المحمديات”، مجموعة لوحات المعرض، يسعى المراكشي إلى مد جسر بين المقدس والمدنس، بين التراث والحداثة، مؤكدًا أن الفن الحقيقي هو الذي يمس جوهر الإنسان ويعبر عن هوية الثقافة. الإبداع، في رأيه، ليس مجرد إنتاج للشكل الجميل، بل هو فعل روحي يربط الإنسان بتاريخه وبيئته. كما يرفع المراكشي لواء الدفاع عن استقلال الفن العربي، محذرًا من تأثير الفن المستورد الذي قد يخنق الإبداع المحلي، قائلًا: “لا يوجد فن واحد، بل فنونا. لكل شعب رؤيته، ولكل فنان بصمته.”بإيقاعه الهادئ وتأمله العميق، يقودنا هذا المعرض إلى فضاءات من الصمت، حيث تتحول الحروف إلى بوابات رمزية نحو المطلق، دافعًا إيّانا لاكتشاف ما وراء السطور. المراكشي، بزخمه الإبداعي، لا يقدم مجرد لوحات، بل يقدم تجربة روحية، فرصة للتأمل في هشاشة الحياة ومعانيها العميقة، وللتساؤل عن دور الفن في البحث عن الذات والتواصل مع جوهر الوجود. يمتد المعرض لفترة محدودة بقصر الباهية، ما يجعله دعوة حقيقية لكل محبي الفن والتأمل لاغتنام لحظات من الصمت، واستكشاف أبعاد جديدة للحياة من خلال رؤية المراكشي الزاهدة. في زمن تتسارع فيه الأشكال وتكثر فيه المشتتات، يبقى هذا الفن الأصتيكي رسالة تذكرنا بضرورة التبسيط، العودة إلى الذات، والبحث عن المعنى في كل ما هو بسيط وعميق.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.