بين سياج سبتة وبناء الإنسان: عندما تجعلنا أزمات الحدود نُعيد ترتيب الأولويات

0

#المحور24
​أعادت المشاهد الأخيرة لمحاولات الاقتحام الجماعي لنقطة العبور نحو مدينة سبتة المحتلة تسليط الضوء على جرحٍ إنساني وسياسي لا يندمل بمجرد استتباب الأمن على الشريط الحدودي. فلئن كانت هذه التطورات تشكل -في ظاهرها- أزمة هجرة وإحراجاً جيو-سياسياً على خط التماس بين المغرب وإسبانيا، فإنها في عمقها تطرح سؤالاً أعمق وأكثر إلحاحاً حول الداخل: أي مستقبل ننتظره عندما يرى شبابٌ في مقتبل العمر أن مجاملة الموت بالبحر أهونُ عليهم من مواجهة الانسداد بالواقع؟
​إن المشهد الذي تناقلته وسائل الإعلام لم يكن مجرد عبور غير شرعي لأشخاص نحو أراضٍ مغربية سلبية ترزح تحت السيطرة الإسبانية، بل كان تعبيراً صارخاً عن “أزمة أمل”. حين يندفع العشرات من الشباب القاصرين والبالغين نحو نقطة التماس، فإنهم لا يهربون من جغرافيا إلى أخرى فحسب، بل يهربون من أزمة شعور بالجدوى، بحثاً عن خيط أمل يتوهمون وجوده خلف أسلاك الشائك.
​ما بعد الحجر والبنيان: حتمية “الاستثمار في الإنسان”
​لا أحد ينكر أن البلاد شهدت في السنوات الأخيرة قفزات نوعية على مستوى البنية التحتية والمشاريع الكبرى؛ من موانئ عالمية وملاعب حديثة وشبكات طرق سريعة تُضاهي كبريات الدول. لكن الأزمات المتكررة على حدود سبتة المحتلة تأتي في كل مرة لتذكرنا بالمعادلة الغائبة: إن بناء البنيان، على أهميته، لا يمكن أن يعوض بناء الإنسان.
​إن أي إستراتيجية تنموية تُغفل الرأس مال البشري تبقى ناقصة؛ فالبنية التحتية العصرية قد تجذب الاستثمارات، لكنها لن تمنع شاباً يائساً من القفز في البحر إذا لم يجد داخل هذه البنيات فرصة عمل كريمة، وتدريساً يضمن له المستقبل، ومساحة تُشعره بكرامته وقيمته داخل وطنه.
​حماية السيادة تبدأ من تنمية العقول والقدرات
​إن ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة سيظل قضية وطنية لا تنازل عنها، وحقاً تاريخياً لا يسقط بالتقادم مهما حاول الإعلام الغربي تشويهه أو اختزاله في “أزمة هجرة”. غير أن قوة موقفنا في استرجاع حقوقنا السليبة لا تتأتى فقط بالخطاب السياسي، بل تبدأ من بناء مجتمع متماسك وقوي من الداخل.
​المطلوب اليوم، ونحن نرى مشهد الشباب عند نقطة العبور، هو مراجعة شجاعة وحقيقية لأولويات السياسات العمومية:
​إعادة الاعتبار للتعليم والتدريب: تحويل الطاقات الشبابية من عبء إلى قوة منتجة.
​توفير فرص الشغل الحقيقية: الانتقال من برامج الدعم المؤقتة إلى اقتصاد يضمن الكرامة ويدمج الشباب.
​فتح منافذ الأمل: إشراك الشباب في الحياة السياسية والاجتماعية ليشعروا بأنهم شركاء في بناء المستقبل وليسوا مجرد هامش فيه.
​ختاماً:
إن السياج الحديدي الفاصل في سبتة لن يحل مشكلة الهجرة، والتقارير الأجنبية لن تنصف الحق المغربي. الحل الحقيقي يكمن في خلق بيئة داخلية تجعل الشاب المغربي يرى أن الحياة والكرامة والفرص كائنة هنا على أرضه، وأن الهجرة خيار للتعلم والتطور وليست فراراً من واقع مؤلم. حين نستثمر في الإنسان بقدر استثمارنا في الحجر، سنكون قد بنينا الجدار الأقوى ضد اليأس، والخطوة الأهم نحو المستقبل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.