الجماعات الترابية: وزارة الداخلية تطلق حملة لتطهير السجلات من “الأشباح” وبتر نزيف المال العام
#المحور24 / الرباط – خاص
في خطوة حازمة تروم كبح النزيف المالي والإداري الذي تعاني منه الإدارة المحلية منذ سنوات، شنت مصالح وزارة الداخلية، بتنسيق مع رؤساء الجماعات الترابية، حملة تطهيرية واسعة النطاق لغربلة لوائح الموظفين وضبط “الأشباح” الذين يستنزفون ميزانيات الدولة دون تقديم أي خدمة تذكر.
إن ظاهرة “الموظفين الأشباح” (Ghost Employees) ليست مجرد سلوك فردي ناتج عن غياب الضمير المهني، بل هي ظاهرة بنوية مركبة تتداخل فيها أبعاد سياسية، واجتماعية، وإدارية…..
الحملة الاستعجالية، التي انطلقت شرارتها الأولى من جهتي الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة لتشمل باقي ربوع المملكة، جاءت بناءً على تقارير سوداء رفعتها مصالح ميدانية لمديرية تنمية الكفاءات والتحول الرقمي. هذه التقارير فجّرت أرقاماً صادمة؛ إذ تبين أن “جيش الأشباح” يلتهم أزيد من 20% من الكتلة الأجرية الإجمالية المخصصة لموظفي الجماعات، وهي كلفة باهظة تُقدّر بنحو 11 مليار درهم.
أكدت مصادر رفيعة المستوى لـ “المحور24” أن رؤساء المجالس الجماعية عقدوا اجتماعات طارئة مع مسؤولي الموارد البشرية لتفعيل استمارات تنقيط ومطبوعات تقييمية صارمة. هذه الآلية الجديدة ستعمل بمثابة “مصفاة” لفرز الموظفين الملتزمين مرابطتهم في مكاتبهم، وعزل أولئك الذين تقتصر علاقتهم بالإدارة على رسائل إيداع الرواتب الشهرية في حساباتهم البنكية.
ولم تقف الإجراءات عند الفرز الورقي؛ بل تتجه وزارة الداخلية، بتنسيق مع الخزينة العامة للمملكة، إلى رقمنة المنظومة بالكامل عبر إحداث نظام معلوماتي موحد وقاعدة بيانات وطنية محيّنة. وسيتعين على الإدارات صياغة “شهادتين سنويتين” لكل موظف: الأولى تثبت المواظبة الفعلية، والثانية ترصد الغيابات غير المبررة، لقطع الطريق أمام أي تلاعب.
كما يشدد عدد من المواطنين أنه على الوزارة الوصية تحديد مهام كل موظف على حدة و العمل على متابعته بشكل مفاجئ لمعرفة مدى احترامه لبرنامج حضوره لمقر عمله و المهمة التي قام بها خلال مدة معينة .
التقارير الميدانية وضعت الإصبع على الجرح؛ حيث كشفت أن أغلب هؤلاء “الأشباح” يدورون في فلك مسؤولين محليين وأعيان نافذين، وولجوا أسلاك الوظيفة العمومية الترابية في ظروف غامضة وضمن سياقات غابت فيها معايير الكفاءة والاستحقاق، مما حوّل المرفق العام إلى كعكة ريعية للمقربين على حساب مصلحة المرتفقين.
لا تقتصر معركة الداخلية على طرد “الأشباح” فحسب، بل تمتد لتصحيح تشوه بنيوي في التوزيع الجغرافي للموارد البشرية. ففي الوقت الذي تعاني فيه مناطق كبرى من خصاص حاد في الكفاءات، يتكدس نحو 60% من موظفي الجماعات الترابية في أربع جهات فقط، مما يخلق هوة سحيقة في جودة الخدمات المقدمة للمواطنين ويقوض جهود التنمية العادلة.
التحرك الحالي لوزارة الداخلية عبر بوابة “الرقمنة” و”المطابقة المالية” يمثل انتقالا من الحلول الترقيعية إلى “المأسسة الرقمية”، وهي الخطوة الوحيدة الكفيلة بإنهاء حماية الأعيان للموظفين الأشباح وتجفيف منابع هذا الهدر المالي.