​الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة: هل يتحول المغرب إلى “منطقة عازلة” لحماية “أوروبا”؟

0

#المحور24 / ​الرباط
​يجد المغرب نفسه اليوم أمام مرحلة مفصلية وجديدة في تدبير التدفقات البشرية، مدفوعاً بالتوجهات الأخيرة للاتحاد الأوروبي الذي أقر ميثاقاً جديداً للهجرة واللجوء. هذا الميثاق لا يكتفي بإعادة صياغة القوانين الداخلية للقارة العجوز، بل يمتد ليعيد رسم خريطة الالتزامات والجغرافيا السياسية للهجرة في دول الجوار، وعلى رأسها المملكة المغربية، وسط تحذيرات حقوقية وقراءات استشرافية لخبراء المجال.
​في أولى ردود الفعل الوطنية، وضعت الشبكة النقابية للهجرة بالمغرب (RSMMAROC) الميثاق الأوروبي في مرمى نيران نقذها. وفي بيان رسمي لها، اعتبرت الشبكة أن النص الجديد يكرس توجهاً صارماً نحو “تسييج” الحدود وفرز المهاجرين وإبعادهم، مغيباً المقاربة الإنسانية والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان.
​وحذرت الشبكة من تبعات الخطاب السياسي المستند إلى عقيدة “أوروبا الحصن”، لما يحمله من مخاطر تغذية التمييز، العنصرية، وكراهية الأجانب. وأطلقت الهيئة الحقوقية نداءً يطالب بـ:
– ​تأمين الحقوق الأساسية: للمهاجرين في مجالات الصحة، التعليم، الشغل، والعدالة.
– ​إصلاح تشريعي وطني: عبر مراجعة القانون المغربي رقم 02-03 ليتلاءم مع المعايير الدولية.
– ​رفض التبعية الأمنية: رفض أي صيغة تحول المغرب إلى “حارس حدود” لحساب بروكسل على حساب كرامة المهاجرين.

​من جانبه، يرى عبد الحميد جمور، الباحث في الديناميات السكانية والتنمية جنوب-جنوب وعضو المركز الدولي للأمن والهجرة والتنمية، أن الميثاق يحمل تداعيات مباشرة وهيكلية على المغرب، تنبع من موقعه الفريد كبلد عبور واستقرار في آن واحد.
​”الميثاق يرسخ منطق ‘تصدير إدارة الهجرة’؛ أي نقل عبء التدبير الأمني واللوجستي من الضفة الشمالية للمتوسط إلى الضفة الجنوبية.” – عبد الحميد جمور
​ويجمل جمور التحديات الاستراتيجية في ثلاث نقاط أساسية:
– ​فضاء للاحتواء: تحول المغرب التدريجي من محطة عبور مؤقتة إلى فضاء دائم لإدارة وتوطين تدفقات الهجرة نيابة عن الاتحاد الأوروبي.
– ​أزمة “المهاجرين العالقين”: تشديد الرقابة وتمرير إجراءات الترحيل السريع سيؤديان حتماً إلى بقاء آلاف المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء داخل التراب المغربي لفترات أطول، مما يشكل ضغطاً على التماسك الاجتماعي وسوق الشغل والخدمات.
– ​الجغرافيا البديلة للمسالك: إغلاق المنافذ التقليدية لن يوقف الهجرة، بل سيدفع شبكات التهريب نحو مسارات أكثر كلفة وخطورة، مما يرفع مؤشر الضغط على السواحل المغربية.
​في مقابل التخوفات الجيوسياسية، يطرح حسن بنطالب، الباحث في مجال الهجرة واللجوء، قراءة تتسم بالحذر العقلاني. ويرى بنطالب أنه “من المبكر الجزم بالنتائج النهائية للميثاق” نظراً لأن العديد من مقتضياته لم تدخل بعد حيز التنفيذ الكامل، وتصطدم بعقبات قانونية وإدارية داخل البيت الأوروبي نفسه، في ظل غياب إجماع كلي بين الدول الأعضاء.

​ومع ذلك، ينبه بنطالب إلى أن “الشرارة الأولى” للميثاق قد تصيب المغاربة بشكل مباشر عبر:
– ​تعقيد المساطر: إطالة مدد معالجة تأشيرات (شينغن) وزيادة حدة التدقيق في الوثائق.
– ​اختناق نقط العبور: ارتدادات المراقبة الصارمة في المطارات والموانئ الأوروبية ستؤثر سلباً على المسافرين الشرعيين وأفراد الجالية المغربية بالخارج أولاً.
​ويختم بنطالب قراءته بالتحذير من رهان الاتحاد الأوروبي على جعل المغرب شريكاً فوق العادة في “خارجية سياسات الهجرة”. ورغم غياب أي إعلان رسمي بخصوص إنشاء “مراكز العودة” أو مراكز تجميع المهاجرين فوق الأراضي المغربية، إلا أن الضغط الدبلوماسي والسياسي مستقبلاً قد يضع بلدان الشمال الإفريقي أمام خيارات صعبة: إما القبول بمقايضات اقتصادية مقابل لعب دور “المنطقة العازلة” (Buffer Zone)، أو الدخول في تجاذبات سيادية لحماية مصالحها القومية.
​الميثاق الأوروبي الجديد يضع الدبلوماسية المغربية في قادم الأيام أمام شطرنج معقد؛ حيث سيكون عليها تحويل “عبء التدبير” إلى “أوراق ضغط تفاوضية” لفرض معادلة (رابح-رابح)، تضمن الدعم المالي واللوجستي والسياسي للمملكة، وتحمي أمنها القومي وحقوق المهاجرين فوق أراضيها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.