قمة “رجالية فقط”: حين تحكم القوى العظمى العالم بعيداً عن نون النسوة

0

#المحور24
​أثارت الصورة المسربة من كواليس الاجتماع الرفيع المستوى بين وفدي الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية –أقوى دولتين على وجه الأرض– موجة عارمة من التساؤلات والتهكم عبر منصات التواصل الاجتماعي، لعل أبرزها: أين هي المرأة في مراكز القرار المصيري؟ المشهد خلف طاولة المفاوضات الطويلة كان “ذكورياً بامتياز”؛ صفوف من الرجال ببدلهم الرسمية يتوزعون يميناً وشمالاً، في غياب تام ومطلق لأي عنصر نسوي. هذا المشهد يضع الشعارات البراقة حول “تمكين المرأة” و”المساواة” التي تتغنى بها الحضارة الحديثة، خاصة في الغرب، تحت مجهر النقد والمساءلة.
​رغم التطور التشريعي والحقوقي الذي يشهده العالم، لا تزال السياسة الدولية والملفات الأمنية والاقتصادية الكبرى حكراً على “نادي الرجال”. تُعرف هذه الظاهرة في علم الاجتماع السياسي بـ “السقف الزجاجي” (Glass Ceiling)، وهو حاجز غير مرئي يمنع النساء من الوصول إلى أعلى هرم السلطة التنفيذية وصناعة القرار، مهما بلغت كفاءتهن.
​أولاً: الأسباب الكامنة وراء غياب المرأة
​عقيدة “الأمن القومي” الصارمة: في كل من واشنطن وبكين، تُدار ملفات الصراع الجيوسياسي، العسكري، والتكنولوجي بعقلية تقليدية ترى في خشونة العمل الدبلوماسي والاستخباراتي مجالاً يتطلب صفات قيادية ارتبطت تاريخياً بالرجال.
​البيروقراطية الحزبية العميقة: للوصول إلى الوفود المفاوضة في قمم بهذا الحجم، يتطلب الأمر التدرج في دهاليز الأحزاب الحاكمة (سواء الحزب الشيوعي الصيني أو الحزبين الديمقراطي والجمهوري في أمريكا)، وهي بيئات تنظيمية معقدة تاريخياً ومحكومة بشبكات علاقات ذكورية قديمة.
​الاستعراض الدعائي مقابل الواقع الفعلي: تبرع الدول الكبرى في تعيين نساء في مناصب تواصلية، إعلامية، أو وزارات ذات طابع اجتماعي لإعطاء انطباع بالانفتاح، ولكن عندما يتعلق الأمر بـ “المطبخ الداخلي” لصناعة القرارات التي تحدد مصير البشرية، تعود الدفة للرجال.
​النتائج: غياب التوازن في رسم السياسات العالمية
​إن خلو هذه الطاولات من التنوع الجندري لا يقتصر ضرره على الصورة العامة، بل يمتد إلى جوهر القرارات المتخذة:
​أحادية الرؤية: يرى الخبراء أن غياب التنوع يؤدي إلى تبني حلول أحادية الجانب في الأزمات الدولية، غالباً ما تميل نحو التصعيد وتفتقر إلى أساليب “الدبلوماسية الناعمة” وبناء السلام المستدام التي تميز القيادات النسائية بحسب دراسات سياسية.
​فجوة الثقة: يُضعف هذا المشهد مصداقية القوى العظمى عندما تطالب الدول النامية والفقيرة بتطبيق معايير حقوق المرأة والعدالة الاجتماعية، مما يظهرها بمظهر “الواعظ الذي لا يتعظ”.
​عن المنظمات النسوية.. أين الصوت حين يشتد الصراع؟
​حضور الطابع الساخر في التعليقات حول الصورة (مثل: “أين المنظمات النسوية وحقوق المرأة؟” ) يحمل في طياته عتاباً مبطناً ونقداً حقيقياً. يرى الكثير من المراقبين أن الحركة النسوية العالمية، لاسيما الغربية، انشغلت بمعارك جانبية، أو تم استهلاكها في قضايا استهلاكية واجتماعية ثانوية، في حين عجزت عن اختراق “النواة الصلبة” للنظام الرأسمالي والسياسي العالمي.
​حين تلتقي مصالح الدول الكبرى، وتسود لغة الأرقام، النفود، والتهديد العسكري، تتوارى الشعارات وتظهر الحقيقة العارية: العالم ما زال يُدار بعقلية ذكورية بحتة.
إن صُنّاع القرار في واشنطن وبكين قد يختلفون في كل شيء؛ في الأيديولوجيا، والاقتصاد، والسياسة.. لكنهم في هذه القمة اتفقوا –ضمناً وبدون تخطيط– على إقصاء المرأة من الصورة. وهي رسالة واضحة مفادها أن طريق المرأة نحو “الشراكة الحقيقية” في حكم العالم لا يزال طويلاً وشائكاً، وأن الأقوال لا تترجم دائماً إلى أفعال على طاولات الكبار.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.