ليل “تامنصورت” : حين تتحول الدراجة النارية إلى أداة “سادية” في وجه الطمأنينة
#المحور24
في الوقت الذي ترخي فيه مدينة “تامنصورت” سدال ليلها بحثاً عن لحظة سكينة، يصرُّ البعض على تحويل هذا الهدوء إلى مسرح لـ “عربدة” ميكانيكية لا تهدأ. هي ليست مجرد دراجة نارية عابرة، بل هي اختراق متعمد لحرمة النوم، واستعراض فجّ للقوة عبر ضجيج مفرط يمزق صمت الشوارع في ساعات متأخرة، دون أدنى مراعاة لحق الجار أو أخلاقيات التعايش المشترك.
ما يحدث في شوارع المدينة لم يعد مجرد “تهور شبابي”، بل أضحى سلوكاً شاذاً يفتقر للمسؤولية. هذا الذي يعتصر محرك دراجاته الضخمة ليطلق أصواتاً منفرة، لا يقود مركبة فحسب، بل يقود “أداة تعذيب” سمعي تلاحق المرضى في أسرّتهم، وتنتزع الأطفال من أحلامهم بفزع، وتسرق من العامل البسيط سويعات راحته اليتيمة قبل فجر عمل جديد.
إذا غصنا في أعماق الشخصية التي تتعمد إحداث هذا النوع من التلوث السمعي، نجد ملامح اضطراب في تقدير الذات والتفاعل الاجتماعي:
– غالباً ما يشعر هؤلاء الأفراد بالتهميش في حياتهم اليومية، فيجدون في صخب المحرك وسيلة لفرض وجودهم قسراً على الجميع. “أنا أصدر ضجيجاً، إذن أنا موجود”.
– الاستمتاع بإزعاج الآخرين دون مبرر يعكس نوعاً من “السادية البسيطة”، حيث يجد الفاعل لذة غريبة في معرفة أن صوته العالي يثير القلق أو يقلق راحة الناس، وهو نوع من الشعور بالسيطرة على مشاعر الآخرين (الخوف، الغضب، الأرق).
– هذا النوع من “التسلية الحامضة” يعكس فراغاً فكرياً وروحياً، حيث تصبح السرعة الجنونية والمخاطرة بالحياة هي “الأدرينالين” الوحيد المتاح لتعويض غياب الأهداف الحقيقية.
– السائق هنا ينفصل تماماً عن محيطه؛ فهو لا يتخيل نفسه مكان المريض أو المسن. هذا الانفصال الوجداني يجعله يرى الشارع “حلبة استعراض” شخصية لا فضاءً عاماً مشتركاً.
إن هذا التلوث السمعي ليس مجرد “قلة ذوق”، بل هو خرق سافر للقانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير. فالاستعراض بالدراجات والقيادة المتهورة في الأحياء الآهلة هي “مشاريع حوادث” مؤجلة، قد تتحول في رمشة عين من صوت محرك مزعج إلى صرخات حسرة ودموع على أرواح تزهق في غفلة من أمرها.
تأمل ساكنة تامنصورت من السلطات المعنية، التي عُرفت بحزمها، أن تضع حداً لهذه “الفوضى الليلية” عبر إجراءات زجرية صارمة. إن إعادة الهيبة لليل المدينة وصون حق المواطن في الهدوء هو تجسيد حقيقي لدولة القانون وحماية للصحة النفسية والجسدية للمجتمع.
تامنصورت تستحق ليلاً هادئاً، والشارع ملك للجميع.. وليس لمن يملك المحرك الأعلى صوتاً.