قطاع النقل: لماذا ترتفع التسعيرة عند الأزمات وتأبى الهبوط عند الانفراج؟
#المحور24
يواجه المواطن المغربي مفارقة اقتصادية غريبة؛ فبمجرد أن تشهد أسعار المحروقات زيادة ولو طفيفة، تتعالى أصوات مهنيي النقل مطالبة برفع التعرفة، وسرعان ما يتم تفعيلها على أرض الواقع. لكن، حين تتراجع الأسعار وتنتعش الأسواق العالمية، يسود صمت مطبق في أروقة “أرباب النقل”، وتظل التسعيرة وفية لقممها العالية، وكأن قانون “الجاذبية الاقتصادية” يعمل في اتجاه واحد فقط.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد تذبذب في الأسعار، بل هو تكريس لثقافة استغلال الظرفية. فالعلاقة بين تكلفة الوقود وسعر التذكرة أصبحت علاقة “طردية عند الصعود، وجامدة عند النزول”. هذا السلوك يعكس غياب التوازن بين منطق الربح والمواطنة، حيث يتم تحميل المستهلك تبعات تقلبات السوق الدولية، بينما يُحرم من ثمار انخفاضها.
فلماذا لا تنخفض الأسعار؟
يمكن حصر الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة في ثلاث نقاط أساسية:
– غياب “السلم المتحرك” للتسعيرة: عدم وجود آلية قانونية تربط سعر النقل بسعر المحروقات بشكل دوري ومؤطر، مما يترك الباب مفتوحاً للاجتهادات الشخصية والمزاجية.
– ضعف الرقابة الزجرية: عندما يغيب الردع، يجد المضاربون في صمت المسؤولين ضوءاً أخضر للاستمرار في فرض الأمر الواقع.
– التملص من المسؤولية الأخلاقية: تغليب المنطق النفعي الصرف على واجبات المرفق العام، حيث يتمسك المهنيون بحقوقهم عند الضرر، ويتناسون واجباتهم تجاه المواطن عند الرخاء.
تؤدي هذه الحالة إلى نتائج وخيمة، أبرزها تآكل القدرة الشرائية للمواطن الذي يعتمد على النقل العمومي طويلة أساسية للتنقل يوميا، مما يفاقم الاحتقان الاجتماعي. كما أن استمرار هذا الوضع يزعزع الثقة في المؤسسات الرقابية، ويجعل من “الفوضى” قاعدة ومن “القانون” استثناءً في قطاع حيوي يمس حياة الملايين يومياً.
فإن إصلاح هذا الخلل يتطلب من الدولة والجهات الوصية على القطاع التدخل الصارم عبر:
– مأسسة التسعيرة: ربط تعريفة النقل بتقلبات الأسواق بشكل آلي وشفاف، بحيث تنخفض بقوة القانون كما ارتفعت بذرائعه.
– تفعيل المراقبة الميدانية: تكثيف دوريات المراقبة وتحريك الشكايات ضد المخالفين لضمان الالتزام بالأسعار المعلنة.
– التواصل الرقمي: نشر لوائح الأسعار المحينة على المواقع الإخبارية والمنصات الرسمية لقطع الطريق على أي تلاعب.
لا يستقيم الحديث عن “الدولة الاجتماعية” في ظل استمرار جيوب تقاوم التغيير وتقتات على جيوب البسطاء. إن تخليق قطاع النقل لم تعد ترفاً، بل ضرورة وطنية تفرضها العدالة الاقتصادية قبل كل شيء.