عبد الصادق مشموم يرثي ابن مراكش البار… المرحوم الأستاذ عزيز باطراح
#المحور24
في رمضان الكريم، شهر الرحمة والمغفرة، نستحضر زمنا كان فيه القلم أمانة ثقيلة، لا يحمله إلا من تهيأ له علما وضميرا، ولا يجرؤ عليه إلا من باع نفسه للكلمة الحرة الصادقة، زمن كانت فيه الصحافة مهنة المتاعب بحق، طريقا وعرا لا يسلكه إلا أصحاب الجلد والصبر، ومجالا صعبا لا يثبت فيه إلا من امتلك الشجاعة الفكرية والإيمان العميق بأن الدفاع عن الحقيقة قدر لا تراجع عنه.
في ذلك المناخ تكون، وتشرب قيم جيل آمن بأن الصحافة سلطة أخلاقية قبل أن تكون سلطة رابعة، جيل حمل هم الإصلاح، وواكب التحولات السياسية الكبرى، وأسهم في توسيع هامش النقاش العمومي بروح وطنية مسؤولة، كانت الأقلام يومها تحترم، وكان أصحابها يعرفون بثقافتهم الرصينة، وبتواضعهم، وبقدرتهم على صناعة الرأي دون صخب.
كان واحدا من أبناء ذلك الزمن الجميل، زمن الهيبة المهنية والانضباط التحريري، راكم تجربة وطنية وازنة، واكتسب احترام زملائه وقرائه، ثم عاد إلى مدينته التي أحب، ليؤسس منبره الإلكتروني، حاملا معه روح التسعينات وقيمها.
وفي هذا اليوم، اختار رب العرش العظيم أن يسترد أمانته، فارتقى إلى جواره أحد أبناء ذلك الجيل الذي صان الكلمة وحملها مسؤولية حتى آخر نبض، رحل عزيز باطراح وغابت معه ابتسامة هادئة وصوت صحافي مسؤول ظل لسنوات يواكب نبض المدينة والوطن بإخلاص ونزاهة.
إنها لحظة الفقد التي جاءت مثقلة بالخشوع والحزن، كأنها تذكير بأن أهل الكلمة الصادقة يرحلون في صمت تاركين خلفهم أثرا لا يمحوه الغياب.
عزيز باطراح كان تجربة متكاملة في المهنية والالتزام، راكم مسارا وطنيا حافلا بالعطاء، خبر فيه دهاليز المهنة، وعرف معنى أن يكون الصحافي شاهدا على التحولات الكبرى، مشاركا في صياغة الوعي العام. حمل قلمه بصدق، وانحاز دائما إلى الحقيقة بروح مسؤولة، مستحضرا أن الكلمة موقف وأخلاق قبل أن تكون سبقا صحفيا وخبرا.
حين أسس منبره الإلكتروني المراكشي كان يعلن انتماءه لمدينة البهجة دون مواربة، اختار اسما يختصر الهوية والاعتزاز: “المراكشي”، جعل من الجريدة عنوانا للفخر بالمدينة الحمراء، ومنصة تعبر عن قضاياها وتطلعات ساكنتها، وتواكب أوراشها التنموية، وتدافع عن صورتها بروح الغيور المحب، المراكشي امتدادا لروحه، دائما نابضة بحب مراكش، متشبعة بثقافتها وأصالتها.
مراكشيته كانت سلوكا يوميا، نخوة وكرما وحضورا إنسانيا دافئا، كان قريبا من الناس، منفتحا على مختلف الفاعلين، جامعا بين الاعتزاز بالهوية المحلية والوعي العميق بقضايا الوطن، حضر في المشهد الإعلامي الجهوي والوطني بثبات واحترام، مقدرا من زملائه، محبوبا من قرائه، لما عرف عنه من تواضع ودماثة خلق وصدق في المعاملة.
جعل من “المراكشي” فضاء للكلمة الصادقة والخبر اليقين، منبرا حرا لمراكش، يواكب أوراشها، ويصون صورتها، بروح الصحافي الذي يعرف أن الدفاع عن مدينته يكون بالمهنية لا بالمجاملة، وبالتحليل لا بالشعار.
مراكش اليوم تفقد ابنها البار، أحد الذين جمعوا بين صرامة التكوين في زمن الصحافة الوازنة، ودفء الانتماء لمدينة عريقة، نفقد رجلا آمن بأن القلم أمانة، وبأن الكلمة مسؤولية، وبأن الصحافة شرف قبل أن تكون مهنة.
رحم الله عزيز باطراح، وجعل ذكراه طيبة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له، وفي شهر الرحمة نرفع أكف الضراعة أن يتغمده الله بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وأن يلهم أسرته وذويه وأصدقاءه جميل الصبر والسلوان.