العودة في نعش : لماذا يحن المهاجرون لتراب المغرب في خريف العمر؟

0

#المحور24
​عندما تقف في بعض مطارات المغرب، قد تلمح أحياناً صناديق خشبية تمر بصمت عبر بوابات الشحن، بعيداً عن صخب المسافرين الأحياء. إنها “رحلة العودة الأخيرة”؛ الموعد الذي يحرص العديد من المغاربة في المهجر على برمجته في وصاياهم، لتنتهي حكاية بدأت بـ “جواز سفر” وتتوقف عند “شبر في تراب”.
​هذا التناقض الصارخ بين الرغبة في مغادرة الوطن شاباً والتمسك بـ الدفن فيه ميتاً، يفتح باباً واسعاً للتحليل السيكولوجي والاجتماعي حول علاقة المهاجر بهويته.
​يرحل المغربي شاباً بحثاً عن “الذات” وعن أفق أرحب للترقي المادي والاجتماعي. في تلك المرحلة، يكون الوطن في نظره “جغرافيا ضيقة” لا تتسع لأحلامه. لكن مع مرور السنين، تتحول هذه العلاقة من “صراع مع الواقع” إلى “حنين إلى الأصل”.
​يشعر المهاجر أن الغربة، مهما منحت من حقوق ورفاهية، تظل “دار ممر”. أما القبر في المغرب، فهو يمثل “دار المقر” وسط تكبيرات المآذن ودعوات الأهل، بعيداً عن برودة المقابر أو العزلة الثقافية في بلاد المهجر.
​الدفن في المغرب هو التصريح الأخير للهوية. هو إعلان صامت بأن “الجنسية” التي حملها طوال عقود كانت مجرد وثيقة إدارية، بينما “الانتماء” ظل محفوراً في الجينات.
​هنا تبرز إشكالية أخلاقية يطرحها المثقفون والغيورون: هل الحب هو أن نمنح قوتنا وإنتاجيتنا للغرب، ونمنح عظامنا للوطن؟
​إن المفهوم الأسمى للمواطنة يتجلى في خدمة البلد وأنت في قمة عطائك. فالمغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى “تحويلات العملة الصعبة” أو “جثامين العائدين”، بل يحتاج إلى العقول، والخبرات، والطاقة الشابة التي تساهم في التغيير. الحب الحقيقي هو أن تزرع شجرة يستظل بها غيرك وأنت حي، لا أن تطلب ظلاً لمرقدك وأنت غائب.
​يحكي لنا الحاج إدريس، الذي قضى 45 عاماً في ضواحي باريس، قصة تلخص هذا الشتات. قضى إدريس حياته يكدح في المصانع، بنى بيتاً في قريته بضواحي مراكش لم يسكنه قط إلا في العطل.
​يحكي إدريس بمرارة ممزوجة بالحب: “عندما كنت شاباً، شعرت أن المغرب ضاق بي، فهاجرت لأبني مستقبلي. والآن، وأنا في السبعين، أشعر أن الأرض كلها تضيق بي، ولا أجد متسعاً إلا في موطن الأجداد حيث تلك المقبرة الصغيرة المجاورة للقرية .
​قام الحاج إدريس بتأسيس جمعية في فرنسا، ليس فقط لنقل الجثامين، بل لمساعدة شباب قريته على إنشاء مشاريع صغيرة، كأنه يحاول تكفير “ذنب الرحيل” بتقديم العطاء وهو لا يزال ينبض بالحياة. يقول: “أريد أن أُدفن في المغرب، لكنني أريد أيضاً أن أترك أثراً يجعل الشباب لا يضطرون للهجرة كما فعلت”.
​إن أمنية الدفن في المغرب ليست مجرد طقس ديني، بل هي صرخة احتجاج ضد “الغربة الوجودية”. لكن التحدي الأكبر يبقى في تحويل هذا “العشق الجنائزي” إلى “حب حيوي”؛ أي أن ندرك أن خدمة الوطن في الرخاء والقوة هي أسمى درجات الانتماء، لكي لا يظل المغرب في نظر أبنائه مجرد “مقبرة جميلة”، بل وطناً يطيب فيه العيش كما يطيب فيه الرقاد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.