خفوت احتجاجات جيل زيد : النهاية الحتمية……

0

#المحور24
جيل زد يعيش اليوم واحدة من أكثر مراحل الاحتجاجات حيوية في التاريخ المعاصر. حركاته الرقمية، شعاراته الجريئة، وإصراره على التغيير أعطت انطباعًا أن العالم يعيش تجربة غير مسبوقة.
لكن الحقيقة أن هذا النمط من الحراك، رغم طابعه العصري، ليس استثناءً في التاريخ. هو جزء من دورة متكررة عرفتها مجتمعات كثيرة: حماس جماعي، تصاعد المطالب، توسع التنظيم، ثم الانقسام ثم انسحاب ان فالخفوت.
في تشيلي، بدأ كل شيء باحتجاج بسيط ضد ارتفاع أسعار النقل العمومي. ثم توسعت المطالب لتشمل العدالة الاجتماعية والدستور الجديد. لكن حين اتسعت قائمة المطالب لتشمل عشرات القضايا، بدأت الحركة تفقد بوصلة أولوياتها.
وثيقة المطالب التي أُعدت وقتها كانت تحمل عشرات العناوين، من التعليم إلى البيئة إلى المساواة. ومع مرور الوقت، أصبحت الحركة مشوشة، وغرقت في النقاشات الداخلية بدل الفعل الميداني. النتيجة: تراجع الزخم وانقسام الصفوف.
في هونغ كونغ، عرفنا مشهدًا مشابهًا. الاحتجاجات كانت قوية ومنظمة في البداية، لكن الانقسامات الفكرية بين المجموعات داخل الحركة سرّعت انهيارها.
حين بدأت بعض المجموعات تُعلن انسحابها أو “تجميد نشاطها”، كان ذلك المؤشر الأوضح على بداية النهاية. البعض استهزأ وقتها، ضاحكًا من الانقسامات، لكن الحقيقة أن هذه الضحكات كانت تعلن موتًا بطيئًا للحراك.
في فرنسا، حركة “السترات الصفراء” مثال آخر. انطلقت بمطلب محدد: رفض الضرائب على الوقود. ثم ما لبثت أن تحولت إلى حركة عامة تضم أطيافًا مختلفة من اليمين واليسار، العاطلين والموظفين، المدن والقرى.
هذه التعددية لم تتحول إلى قوة، بل إلى عبء. تضارب الأهداف جعل الحكومة تستفيد من غياب مخاطب موحد. ومع الوقت، تراجعت الحشود، وأصبح “الاحتجاج الأسبوعي” عادة بلا تأثير فعلي.
جيل زد اليوم يكرر المشهد نفسه، وإن بوسائل رقمية جديدة. الاحتجاج عبر الإنترنت، والهاشتاغات، والبث المباشر، يمنح وهمًا بالتماسك. لكن تحت السطح، الحركات مليئة بالتناقضات: اختلاف في الرؤى، في الأهداف، وفي اللغة.
حين تُكتب وثيقة مطالب “شاملة” تضم كل شيء، من التعليم إلى العدالة إلى المناخ، تكون هذه بداية النهاية. وحين نسمع أن “مجموعة ما انسحبت”، فهذا مؤشر على دخول الحراك مرحلة الانقسام الداخلي.
النهاية ليست فشلًا
خفوت الاحتجاجات لا يعني بالضرورة الفشل. بل هو جزء من دورتها الطبيعية. كل حركة تمر بمرحلة صعود ثم هبوط. الفرق هو ما تبقى بعدها: وعي، نقاش، وشعور جماعي بالتجربة.
جيل زد لا يعيش تجربة “فريدة”، بل يضيف فصلًا جديدًا إلى كتاب طويل عنوانه “الاحتجاج الإنساني”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.