سعد الدين العثماني… حين يتحول التضامن إلى استفتاء سياسي هادئ

0

#المحور24

في لحظةٍ غير متوقعة، عاد اسم الدكتور سعد الدين العثماني إلى واجهة النقاش العمومي، لا كرجل سياسة أو قيادي سابق في حزب العدالة والتنمية، بل كضحية لاعتداء همجي أثار موجة واسعة من التضامن والتعاطف الشعبي والسياسي.

فما إن انتشر خبر تعرضه لاعتداء على يد من يُطلق عليهم إعلاميًا “الكوفيين”، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بوسم #كلنا_سعد_الدين_العثماني، وشهد الفضاء العام لحظة نادرة من الإجماع الوطني، تخطى الحسابات السياسية والاختلافات الأيديولوجية.

لكن السؤال الجوهري هنا ليس فقط لماذا تعاطف المغاربة مع الرجل؟ بل:
لماذا الآن؟
وما الذي يجعل هذا الاعتداء الشخصي يتحول إلى لحظة سياسية وطنية؟

يبدو واضحًا أن جزءًا كبيرًا من هذا التعاطف يعود إلى شخصية الدكتور العثماني، المعروف بين المغاربة بهدوئه، وأخلاقه، وابتسامته التي لا تفارق محياه. فحتى في لحظات الاختلاف السياسي، ظل يحظى باحترام واسع، بما في ذلك من خصومه. غير أن هذا البُعد الأخلاقي لا يكفي وحده لتفسير حجم التضامن الشعبي الذي رافق الاعتداء عليه.

هناك سبب أعمق وأكثر دلالة: اتفاق الثلاثي المغربي-الأمريكي-الإسرائيلي الذي وقع عليه العثماني بصفته رئيسًا للحكومة آنذاك. لقد كان توقيع الاتفاق لحظة مفصلية، حملت للرجل الكثير من النقد، بل والتهجم من داخل حزبه ومن خارجه. واليوم، حين يُعتدى عليه من طرف من يرون أنفسهم “أعداء التطبيع”، تأتي ردة الفعل الشعبية معاكسة تمامًا لما كان يُنتظر.

فبدل أن يُعزل أو يُهاجم، كما اعتقد البعض، تحوّل العثماني إلى رمز للرصانة السياسية، بل وللإجماع الوطني حول خيار الدولة في العلاقات الدولية، بما فيها العلاقة مع إسرائيل.
ما كشفه هذا الحدث هو أن الوعي السياسي المغربي أعمق مما يُتصور. المغاربة يدركون، في غالبيتهم، أن مصلحة البلاد تقتضي علاقات متنوعة، بما في ذلك مع إسرائيل. ويدركون كذلك أن الموقف المغربي من القضية الفلسطينية لم يتغير، بل ظل ثابتًا، داعمًا للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، مع الحرص في الوقت نفسه على بناء جسور التواصل والدبلوماسية المؤثرة.
الرسالة الأساسية التي يمكن قراءتها من موجة التضامن الواسعة هي أن المجتمع المغربي لم يعد يقبل بمنطق التخوين والابتزاز السياسي باسم القضايا الكبرى. كما أن الأحداث أظهرت أن “الكوفيين” ـ على خلاف ما يروجون له ـ يمثلون أقلية صاخبة، لا تعكس نبض المجتمع، بل تتغذى على خطاب متجاوز ومُستهلك لم يعد يجد صدًى لدى الرأي العام.

بل الأكثر من ذلك، يبدو أن التضامن مع العثماني ليس فقط رفضًا للعنف، بل أيضًا دعماً ضمنياً للخيارات السيادية للمغرب، بما فيها التعاون مع إسرائيل كخيار سياسي استراتيجي، يُمكن أن يخدم مستقبل السلام في المنطقة.

ماذا بعد؟
ربما من المفارقة أن العثماني، الذي غادر المشهد السياسي بعد هزيمة قاسية في انتخابات 2021، يعود اليوم من بوابة الأخلاق والكرامة، ليُذكر الناس بأن السياسة ليست فقط مواقف انتخابية، بل هي أيضًا مواقف إنسانية ووطنية.

وقد لا يكون مستبعدًا أن نراه، ذات يوم، يُكمل هذا المسار السياسي والدبلوماسي من موقع مختلف، ربما حتى سفيرًا للمغرب في تل أبيب، إذا ما تم الانتقال إلى علاقات كاملة مع إسرائيل، بما يخدم مصالح المغرب ودوره في صناعة السلام الحقيقي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.