مهرجان عكاظ الدولي المسرحي في دورته السادسة بمراكش(2025)، قراءة نقدية سيميائية في مسرحية *ريحة الليل*(صور)…
#المحور24
متابعة فنية: حامد الزيدوحي
*ثنائية الواقع والعبث*
في مسرحية *ريحة الليل* لفرقة محترف ديونزوس لفنون الأداء.
*كتابة وإخراح*: مهدي حلباس.
*الممثلون*: نجيب عبد اللطيف، مهدي حلباس، لحجاب أبو جمال. الصوت الخارجي فاطمة أكلاز.
*قراءة نقدية سيميائية*
بقلم: *لحجاب أبو جمال*
…لابد لي من طرح سؤال التواصل المسرحي في هذه القراءة النقدية السيميائية لمسرحية *ريحة الليل* لفرقة *محترف ديونزوس لفنون الأداء* بمراكش، في صيغته التالية: إلى أي حد استطاع العرض المسرحي *ريحة الليل* لفرقة *محترف ديونزوس الفنون الأداء* أن يقدم فرجة مسرحية وأن يحقق فعلا تواصليا مع المتلقي/الجمهور في صالة العرض؟…إن العرض المسرحي*ريحة الليل* قدم – في مضمونه – فكرة *للصراع* بمفهوم مركب يجمع بين *المادي والفلسفي* أي بأسئلة الواقع المعيش من جهة وبأخرى فلسفية وعبثية من جهة ثانية، حيث تفوق الممثلون في طرح هذا الصراع وتفجيره على *الركح*، وذلك من خلال سرد معاناتهم مع شخصية *الأعور*، هذا الطاغيةُ المارقُ السببُ في ما يعانونه من ويلات ومآسي: فشخصية *الشيخ* الجندي البئيس والذي قضى جل حياته في الحروب وضمنها حرب *لاندوشين*، أصبح يعيش مشردا في العراء يعاني المرض والإقصاء.
وشخصية *عباس* رفيق شهيد الكفاح النقابي في قطاع الصيد البحري، أصبح يعاني شر ملاحقة *الأعور* له بعد تردي الأوضاع في صفوف العمال وتراجع زخم النضال و استشهاد قائدهم النقابي.
أما شخصية *الشاب السكير* ولد محجوبة الزوفري، فهو شاب أصبح يعيش الضياع…أصبح عنيفا بعد أن كان شخصا عاديا يكافح من أجل لقمة عيشه… أصبح يجعل من العنف سلاحا له لمواجهة عنف *االأعور* الشرير الذي يتربص بعشيقته حتى تقع في خطيئة خيانته له، مما جعله مدمنا على شرب الخمر… حائرا…مُهلوِسا…يحمل مُديتَه… يتوعدُ *الأعورَ* بالإنتقام…و يقسو جدا في تعنيف عشيقته التي أصبحت جثة هامدة من فرط العنف، لكنه لايزال يحتفظ بها في صندوق *عربته الصغيرة* – حيث لا يبدو من جسدها إلا ساقاها وشعرها الذي يكاد يغطي رأسها تماما وملابس ملطخة بالدماء – ظناًّ منه أنها لا تزال حيةً؟!…ويمكن القول، وبناء على تلقي بعض التنويهات من الجمهور، فإن الممثل *لحجاب أبو جمال* قد اجتهد في أداء دور هذه الشخصية المركبة تناغما وانسجاما مع إيقاع أداء باقي الممثلين.
يؤكد العديد من النقاد على أن جنس *المسرح* ينفرد بمظهر آخر من مظاهر التواصل، حيث يمكن اعتبار العرض المسرحي فعلا تواصليا مزدوجا، لأن التواصل فيه يتحقق على مستويين: تواصل داخلي وتواصل خارجي:
أ- *التواصل الداخلي*: هو تواصل على مستوى شخصيات العرض المسرحي فوق *الركح*، وهنا يؤكد *رولان بارت* في كتابه *مقالات نقدية* على أن المسرح فن تتجلى فيه *البوليفونية (Polyphonie)* أو تعدد الأصوات والشخصيات.
ب- *التواصل الخارجي*: وهو تواصل على مستوى علاقة العرض المسرحي بالمتفرج، فالتواصل الذي يتم على المستوى الداخلي في المسرحية لا يقصد لذاته، وإنما يقصد من خلاله بث رسالة إلى المتفرج.
و في هذا السياق ذاته يمكن القول إن العرض المسرحي *ريحة الليل* قد حقق *تواصلا داخليا بين شخوصه ومكوناته على الركح* و *تواصلا خارجيا* بينه وبين الجمهور مما كان له الأثر الإيجابي على مستوى *التلقي* و *الفرجة المسرحية*… وإذا كان العرض قد حقق تواصلا -كما أسلفنا الذكر- على مستوى الخطاب المنطوق المنبني على *صراع مركب* بين *الشخوص والأعور* وما له من تداعيات ومعاناة فإنه قد حقق تواصلا موازيا كذلك على المستويين المرئي والمسموع المتمثلين في المكون السنوغرافي والإضاءة والمؤثرات الصوتية:
— *السينوغرافيا*: استطاعت عناصر *الديكور والأكسيسوار* في العرض أن تؤثت فضاء مسرحيا يوحي ب *مكان ما بشارع ما*!؟، *مكان مهمش* به *صناديق صغيرة* و *أكياس* مترامية هنا وهناك قرب *عمود كهربائي* ،حيث يلجأ *الجندي الشيخ العجوز*، لا يضيئ إلا مرات قليلة؟!..و *عربة صغيرة* يسوقها *الشاب المدمن* والتي تعتبر عالمه الخاص، حيث تحتوي هي كذلك عناصر أخرى للديكور تتمثل في *جسد المرأة الضحية* المحمول عليها، و *الكرسي الصغير*.
– *الأكسيسوار* : *لوتار* و *المُدية* و *قنينة الخمر* كلها عناصر ذات حمولة دلالية ساهمت وتناغمت مع قطع الديكور في تأثيث فضاء اللعب المسرحي للعرض الموسوم ب *التهميش والبؤس والعنف والمعاناة والألم والأمل والسؤال* شأنها في ذلك شأن *ملابس الشخوص* و *المؤثرات الصوتية لكائنات الليل والموسيقى والإضاءة*
– *الكتابة والإخراج*: وظف كاتب المسرحية ومخرجها الأستاذ *مهدي حلباس* كل عناصر العرض و *شفراته/ Codes* اللغوية والمرئية والسمعية والحركية والتعبيرية توظيفا مسرحيا وفرجويا موفقا عمق التفاعل والتواصل بين العرض والجمهور الذي تفاعل لحظة العرض بالتشجيع، وربما بالتركيز أكثر في أغلب المشاهد لفهم رسائل العرض وفك *شفراته* المتعددة وتَلَقِّي أسئلته التي تخاطبه من صلب *الواقع المعيش* أحيانا، وأحيانا أخرى تخاطبه بصيغة *العبث* بمفهومه الفلسفي، حيث سؤال *اللامعقول* يفضي إلى التفكير العميق ؟





