.الفساد: نزيف مستمر ومعالجات غير مجدية

0

#المحوى24
لا يختلف اثنان على أن الفساد يُعد من أخطر الآفات التي تنخر جسد الاقتصاد المغربي، وتحدُّ من فرص تطور المملكة وتقدُّمها. فعلى الرغم من أن كل حكومة جديدة ترفع شعار “محاربة الفساد” في بداياتها، إلا أن الأرقام والمعطيات الصادرة عن المؤسسات المتخصصة تدق ناقوس الخطر، وتُظهر تراجعًا مقلقًا بدلًا من التقدُّم.

فبحسب مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، احتل المغرب سنة 2018 المرتبة 73 بمجموع 43 نقطة، غير أن المؤشر كشف عن تدهور تدريجي خلال السنوات اللاحقة:
– في عام 2019، تراجع المغرب إلى المرتبة 80 بـ42 نقطة .
– في 2020 احتل المرتبة 94 بـ39 نقطة، وظل في الترتيب نفسه تقريبًا خلال سنتي 2021 و2022.
– في سنة 2023 فقد تراجع إلى المرتبة 97.
– في عام 2024 تواصل الإنحدار ليصل إلى المرتبة 99 بمجموع 37 نقطة فقط.
تخيّلوا أن دولة مثل الدنمارك تتصدّر المؤشر سنويًا باعتبارها من أكثر الدول نزاهة رغم انها لا ترفع شعار محاربته بينما المغرب يتقهقر إلى مراتب متأخرة رغم ما يُرفع من شعارات.
ووفقًا لتقرير الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة، يخسر المغرب سنويًا حوالي 5 مليارات دولار بسبب الفساد، ما يُمثّل ما بين 3.5% و6% من الناتج الداخلي الخام، وهي أرقام ضخمة تُرهق الاقتصاد الوطني وتُضيّع على البلاد فرصًا ثمينة للتنمية والاستثمار.

والمثير للقلق أن أكثر المؤسسات المتورطة في هدر المال العام بسبب الفساد، بحسب نفس التقارير، هي الجماعات المحلية، الجهات، والهيئات المنتخبة التي يُوكل إليها تدبير الموارد العمومية والصفقات والميزانيات. ويُلاحظ أن أغلب هذه المؤسسات تُدار من قبل منتخَبين حزبيين، ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الأحزاب السياسية بمبادئ الشفافية والنزاهة.

أمام هذا الواقع المرير، يُطرح السؤال الجوهري: ما هي الحلول التي تقترحها الحكومة؟ وماذا تقترح الأحزاب السياسية التي تُغرقنا في مواسم الانتخابات بالشعارات الرنانة؟ هل من مشاريع فعلية قابلة للتنفيذ؟ أم أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة من التبرير والتسويف؟

لقد بات من الضروري إحداث تغيير جذري في طريقة التعامل مع هذه الآفة، من خلال تعزيز استقلالية القضاء، وتفعيل آليات الرقابة والمحاسبة، وتسريع رقمنة الإدارة، ودعم الإعلام الاستقصائي، وحماية المبلّغين عن الفساد، وإرساء ثقافة وطنية ترفض التواطؤ أو التطبيع مع الرشوة والمحسوبية.

فالفساد ليس مجرد أرقام في تقارير دولية، بل هو مرض عضال يُهدد مستقبل أجيال بأكملها، ويُقوّض ثقة المواطن في الدولة ومؤسساتها. فإما أن نختار محاربته بجرأة وإرادة حقيقية، أو نستسلم له ونُقايض مستقبلنا بثمن بخس.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.