عاجل | توتر بمدريد على خلفية أنباء تعاون لوجستي بين المغرب وبريطانيا مع سفينة رست بجبل طارق
#المحور24
في تطور لافت يعكس تعقيدات المشهد الجيوسياسي في حوض الغرب المتوسط، أثار رسو حاملة الطائرات البريطانية في سواحل جبل طارق—عبر التنسيق المباشر مع برج الملاحة بميناء طنجة المتوسط—موجة من الاستياء والجدل داخل الأوساط السياسية الإسبانية.
عبر عدد من البرلمانيين الإسبان عن قلقهم البالغ، مشددين على ضرورة تجنب سياسات التصعيد مع الرباط. ودعوا حكومة بيدرو سانشيز إلى الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية العليا، لا سيما في مجالات التنسيق الأمني ومراقبة الحدود. كما وجه النواب انتقادات لاذعة لاستفزازات القصر الملكي الإسباني بزيارة مدينتي سبتة ومليلية المحاصرتين، مؤكدين تطابق الرؤى بين “جبل طارق” كمنطقة مستعمرة من بريطانيا، والأقاليم المغربية المحتلة التي تسعى الرباط لاسترجاع سيادتها عليها بالطرق الدبلوماسية.
تكرس هذه التطورات حكمة المقاربة الملكية المغربية؛ فالرباط لا تنجر نحو الاستفزازات الحدودية المفتعلة، بل تؤسس لردود استراتيجية عميقة ومدروسة تثبت من خلالها موقعها كقوة إقليمية لا غنى عنها في معادلة الأمن والاستقرار الأورومتوسطي.
يمكن تفكيك هذا الحدث وقراءته من زوايا ثلاث رئيسية تحدد ملامح اللعبة السياسية الراهنة:
1. البعد الجيوسياسي والاقتصادي: “طنجة المتوسط” كفاعل سيادي إقليمي
– رمزية التنسيق: إن إشراك برج الملاحة لميناء طنجة في توجيه أو تأمين حركة قطع بحرية بريطانية ضخمة بالقرب من مضيق جبل طارق يؤكد الدور الحيوي والمتنامي للبنية التحتية المغربية في إدارة الملاحة البحرية الدولية.
– السيادة الواقعية: هذا التعاون يرسخ حقيقة واقعة مفادها أن المغرب أصبح شريكاً أمنياً وعسكرياً لا يمكن تجاوزه في مياه جبل طارق، مما يعزز مكانته كحارس أساسي لأمن المضايق العالمية، ويقلق مدريد التي ترى في أي تنسيق بريطاني-مغربي تجاوزاً لهيمنتها التقليدية على المنطقة.
2. التناقض الداخلي في إسبانيا: براغماتية البرلمان مقابل حسابات الحكومة
– انقسام القرار الإسباني: يعكس موقف البرلمان الإسباني إدراكاً متزايداً لدى بعض النخب السياسية بأن معاداة المغرب خيار خاسر اقتصادياً وأمنياً (خصوصاً في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب).
– إسقاط المفارقات التاريخية: الإشارة الذكية من النواب الإسبان إلى تشابه وضع “جبل طارق” (المستعمرة البريطانية في أرض إسبانية) مع وضع المدن المغربية المحتلة (سبتة ومليلية) تسلط الضوء على المفارقة الأخلاقية والقانونية في السياسة الخارجية الإسبانية، وتضع مدريد في زاوية حرجة تحرج سرديتها الرسمية.
3. الدبلوماسية الهادئة للمؤسسة الملكية المغربية: قوة النفس الطويل
– استراتيجية التموضع: يعتمد المغرب سياسة “الرد الاستراتيجي الصامت”؛ فهو لا ينجر خلف الاستفزازات الظاهرية (مثل زيارات ملك إسبانيا لسبتة ومليلية)، بل يراكم المكاسب الاقتصادية، الدبلوماسية، والعسكرية على الأرض.
– الاعتماد المتبادل: من خلال تحويل موانئه وبنيته التحتية إلى شرايين حيوية لا تستغني عنها القوى الكبرى (مثل بريطانيا والولايات المتحدة)، يجعل المغرب من نفسه ركيزة أمنية دولية تفرض احترام السيادة المغربية بطريقة غير مباشرة ولكن حاسمة.