وزارة الفلاحة.. رهانات السيادة الغذائية وإنقاذ القطيع وحماية القدرة الشرائية

0

#المحور24

يجد خالد حاتيمي، الوزير الجديد للفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، نفسه أمام اختبار حكومي بالغ الأهمية، في ظل تراكم التحديات المرتبطة بندرة المياه، وتداعيات الجفاف على الإنتاج الزراعي، وتراجع القطيع الوطني، فضلا عن ارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الضغط على القدرة الشرائية للأسر المغربية.

ويأتي تعيين حاتيمي ضمن التشكيلة الحكومية التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، خلفا لأحمد البواري، ليضع على رأس قطاع استراتيجي شخصية راكمت تجربة في عالم المقاولات والصناعات الغذائية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مراجعة السياسات الفلاحية وتعزيز قدرة المملكة على تأمين احتياجاتها الغذائية.

ويحمل التعديل الحكومي، في هذا السياق، دلالة خاصة مع إدراج مفهوم «السيادة الغذائية» ضمن التسمية الرسمية للوزارة، بما يعكس توجها نحو ربط الإنتاج الفلاحي بالأمن الغذائي، وتقليص الارتهان للأسواق الخارجية، وتحقيق توازن أفضل بين متطلبات التصدير وحاجيات السوق الوطنية.

من عالم المقاولات إلى تدبير القطاع الفلاحي

راهن المسار المهني لخالد حاتيمي على الخبرة الاقتصادية والتدبيرية، إذ شغل منصب المدير العام لشركة «أطلس بوتلينغ كومباني» (Atlas Bottling Company)، التابعة لمجموعة «ديانا هولدينغ»، وأشرف على وحدات صناعية بكل من طنجة ووجدة.

وقد أتاح له هذا المسار الاحتكاك بتحديات الإنتاج والتحويل والتخزين والتوزيع، فضلا عن تدبير سلاسل الإمداد ومراقبة تكاليف التصنيع، وهي مجالات تكتسي أهمية متزايدة في قطاع فلاحي يحتاج إلى تعزيز التكامل بين الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية.

أما على المستوى السياسي، فقد دخل حاتيمي مجلس النواب عقب انتخابات سنة 2021، ممثلا دائرة تارودانت الجنوبية، حيث أتاح له انتماؤه إلى منطقة ذات طابع فلاحي وقروي التعرف عن قرب على عدد من الإشكالات التي تواجه الفلاحين، من ندرة المياه وصعوبات الإنتاج إلى ضعف البنيات التحتية في بعض المناطق القروية.

كما عزز حضوره داخل حزب الأصالة والمعاصرة بانتخابه عضوا في المكتب السياسي خلال ماي 2024، ضمن القيادة الجماعية للحزب، قبل أن يقدم استقالته من مجلس النواب في يوليوز 2026، عقب ترشيحه لعضوية مجلس الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء، وفق المعطيات الواردة في مساره المهني والسياسي.

وسبق للوزير الجديد أن تناول، في تصريحات إعلامية خلال فترة عيد الأضحى لسنة 2026، إشكالات أسعار المواشي واللحوم، مشددا على أهمية معالجة الاختلالات التي تطبع سلاسل التوريد والوساطة، والعمل على دعم القطيع الوطني بما يساهم في استقرار الأسعار وصون القدرة الشرائية للمواطنين.

الماء.. التحدي الأكبر أمام الفلاحة المغربية

يبرز الإجهاد المائي في مقدمة الملفات التي تنتظر الوزير الجديد، بالنظر إلى تأثير توالي سنوات الجفاف على الموارد المائية والإنتاج الزراعي، وما يفرضه ذلك من مراجعة للخيارات الفلاحية المعتمدة، وتطوير أساليب أكثر نجاعة في تدبير المياه.

ويقتضي هذا الوضع تسريع اعتماد حلول بديلة، من بينها توسيع استعمال المياه المحلاة والمعالجة في الأنشطة الفلاحية حيثما أمكن، وتحسين كفاءة أنظمة الري، وترشيد استهلاك المياه في المدارات السقوية الكبرى، مع الحد من الاستنزاف المتواصل للفرشات المائية.

كما يواجه القطاع تحديا آخر يتمثل في تحقيق التوازن بين الزراعات الموجهة للتصدير، التي توفر العملة الصعبة وتدعم فرص الشغل، وبين ضمان تلبية حاجيات السوق الداخلية من المنتجات الأساسية، خصوصا الحبوب والزيوت والخضر والفواكه.

ويظل نجاح هذه المعادلة رهينا بمدى قدرة الوزارة على بلورة خريطة زراعية أكثر ملاءمة للموارد المائية المتاحة، مع مراعاة خصوصيات المناطق الفلاحية وحاجيات المواطنين ومتطلبات الاستدامة البيئية.

السيادة الغذائية وتقليص التبعية للخارج

لن يكون تعزيز السيادة الغذائية ممكنا دون تقوية الإنتاج الوطني في المواد الأساسية وتقليص تأثير تقلبات الأسواق الدولية على تموين المملكة وأسعار المنتجات الغذائية.

ومن هذا المنطلق، سيكون حاتيمي مطالبا بالعمل على رفع إنتاجية الحبوب والأعلاف والمحاصيل الزيتية، إلى جانب تطوير سلاسل الإنتاج والتخزين والتحويل، بما يساهم في تقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات الخارجية.

وتبرز في هذا الإطار أهمية ربط الفلاحة بالصناعة الغذائية، عبر تشجيع الاستثمار في وحدات التحويل والتثمين، وتقليص ضياع المنتجات، وتحسين شروط تسويق المحاصيل، بما يسمح بتحقيق قيمة مضافة أكبر لفائدة المنتجين والاقتصاد الوطني.

ولا تقل إصلاحات أسواق الجملة وشبكات التوزيع أهمية عن رفع الإنتاج، إذ يظل تعدد الوسطاء واختلالات التسويق من العوامل التي تثير نقاشا واسعا حول الفجوة بين الأسعار التي يحصل عليها الفلاحون وتلك التي يؤديها المستهلكون. ومن ثم، فإن تحديث هذه الأسواق وتعزيز الشفافية والمراقبة يشكلان مدخلا أساسيا للحد من المضاربة وتحسين استقرار الأسعار.

إنقاذ القطيع الوطني وحماية القدرة الشرائية

يشكل وضع القطيع الوطني أحد أكثر الملفات استعجالا أمام الوزير الجديد، في ظل الضغوط التي تعرضت لها تربية الماشية بفعل الجفاف وارتفاع تكاليف الأعلاف وتراجع المراعي في عدد من المناطق.

وتفرض معالجة هذا الوضع اعتماد مقاربة متكاملة تجمع بين دعم المربين، وتوفير الأعلاف بأسعار مناسبة، وتحسين شروط التربية والتأطير البيطري، إلى جانب وضع برامج مستدامة لإعادة تكوين القطيع الوطني.

ولا يقتصر أثر هذه الإجراءات على الفلاحين ومربي الماشية، بل يمتد إلى المستهلكين، بالنظر إلى انعكاس حجم القطيع وتكاليف الإنتاج على أسعار اللحوم والحليب ومشتقاتهما. لذلك، فإن استعادة التوازن في هذا المجال تظل مرتبطة بقدرة السياسات العمومية على دعم الإنتاج دون إغفال حماية القدرة الشرائية للأسر.

وفي المقابل، تبرز ضرورة إيلاء صغار الفلاحين اهتماما أكبر، من خلال تسهيل حصولهم على التمويل والتأمين الفلاحي، وتوسيع استفادتهم من برامج الدعم، وتحسين ولوجهم إلى الأسواق والتقنيات الحديثة، باعتبارهم مكونا أساسيا في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للعالم القروي.

اختبار النتائج لا الوعود

تضع الملفات المتراكمة خالد حاتيمي أمام مسؤولية تحويل شعار السيادة الغذائية إلى إجراءات قابلة للقياس، تتجاوز التصورات العامة إلى نتائج ملموسة على مستوى الإنتاج والأسعار واستدامة الموارد الطبيعية.

فالرهان لا يتعلق فقط بتحسين المؤشرات الفلاحية، وإنما أيضا بضمان دخل أكثر استقرارا للمنتجين، وتقليص هشاشة العالم القروي أمام التقلبات المناخية، وتأمين تموين الأسواق الوطنية بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للمغاربة.

وبين إكراهات الماء ومتطلبات إنقاذ القطيع وإصلاح مسالك التسويق، ستتحدد فعالية المقاربة الجديدة بمدى قدرتها على التنسيق بين السياسات الفلاحية والصناعية والاجتماعية، وتوجيه الاستثمار نحو الأولويات الأكثر إلحاحا.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام الوزير الجديد يتمثل في بناء نموذج فلاحي أكثر قدرة على الصمود، يوازن بين التصدير والاستهلاك الداخلي، وبين المردودية الاقتصادية وحماية الموارد، ويجعل الأمن الغذائي ركيزة للاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.