المحمدية.. قصة مصفاة لاسمير التي اربكت حسابات العقلاء…

0

#المحور24
​تخيل مصنعا ضخما يتوسط شواطئ المحمدية، تبلغ طاقته الاستيعابية يصل إلى أكثر من 4 مليارات لتر سنويا تقريبا من الغازوال وحده، فضلا عن البنزين، والنافط، ووقود الطائرات، والفيول، وإسفلت الطرقات الذي يعبد مسالك البلاد.
هذا ليس كنزاً خرافياً، بل هو الواقع الافتراضي لشركة “لا سامير”، القلب النابض لتكرير البترول في المغرب، لو قدر لها أن تعمل بكامل طاقتها وفي ظروف مثالية تحت إدارة لها عقل.
​غير أن المشهد اليوم يبدو أشبه بملحمة درامية حزينة؛ فقطاع تكرير البترول يعيش على الصعيد العالمي ازدهاراً غير مسبوق وهوامش أرباح تاريخية حلقت بـ “الغازوال” وحده إلى زهاء 6 دراهم في اللتر الواحد. بحسابات الورقة والقلم، كان بإمكان مصفاة سامير وحدها أن تجني أرباحاً سنوية صافية من تكرير الغازوال تقدر بنحو 24 مليار درهم، وهو رقم فلكي يتجاوز بسخاء قيمة المصفاة بأكملها في سوق التنافس القضائي المعروضة فيه منذ عام 2016 والمقدرة بنحو 21 مليار درهم.
بعبارة أخرى، تفقد الخزينة الوطنية كل عام أضعاف ثمن الشراء، في مفارقة اقتصادية تدمي القلب وتستعصي على الفهم.
​إنها بلا منازع نزيف صامتة يعاني منه الاقتصاد المغربي. ولن يكون من الإنصاف البحث عن مجهول لتعليق شماعة هذا الخراب المبين؛ فالأسباب متسلسلة كحلقات سلسلة حديدية ثقيلة: تبدأ بخوصصة مبهمة جرت في الماضي، وتمر بصمت على “إفلاس قد يكون مدبرا” ، وصولاً إلى فرجة حكومات متعاقبة آثرت السلامة، فغضت الطرف وتواطأت بطريقة أو بأخرى على استمرار تعطيل آلة الإنتاج المحلي، ممهدة الطريق أمام شركات التوزيع لتفرض سيطرتها المطلقة على السوق، وتتحكم في المستهلكين وأسعار المحروقات دون رقيب حقيقي.
​واليوم، بينما يترنح العالم على وقع حروب مفتوحة تعصف باستقرار السلاسل العالمية، وتسعى قوى عظمى كالولايات المتحدة لإحكام قبضتها الحديدية على منابع الطاقة وتسويقها، يبدو المغرب كمن يغمض عينيه عن بصيص النجاة.
الوضع الراهن لم يعد يحتمل التردد، بل يفرض شجاعة اتخاذ قرار سياسي جريء وتاريخي، ينطلق فوراً من استئناف عجلة تكرير البترول بكل الصيغ القانونية والعملية الممكنة.
​الرهان الأكبر اليوم لم يعد يقتصر على تأمين الحاجيات الوطنية من المواد الطاقية وملائمتها مع القدرة الشرائية المتآكلة لعموم المغاربة فحسب، بل يمتد لسقوط المبررات الواهية لسياسات “الدعم الاستثنائي” الموجه لبعض المهنيين؛ فهذا الدعم يفقد معناه تماماً في ظل استمرار العمل بقانون حرية الأسعار والمنافسة، بينما يكتوي المستهلك البسيط والمهني على حد سواء بنار غازوال يحلق فوق عتبة 16 درهماً للتر، والآفاق تبدو حبلى بمزيد من التحديات.
​إن إعادة تشغيل سامير ليست مجرد استنقاذ لمؤسسة صناعية متعثرة، بل هي معركة سيادة وطنية، واختبار حقيقي للقدرة على حماية الأمن الطاقي للمملكة قبل فوات الأوان.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.