لا بناء لأمة دون هدم سقف الفساد: قراءة في معضلة العزوف ورسالة إلى “الدولة العميقة”

0

#المحور24
​تأتي الأرقام الانتخابية الأخيرة لتضع المشهد السياسي أمام مرآة الواقع الخالي من التجميل؛ فنسبة المشاركة التي تجاوزت 38% بقليل، لم تبتعد كثيراً عن العتبة الأدنى في التاريخ السياسي الحديث، لتسجل ثاني أضعف نسبة اقتراع بعد انتكاسة عام 2007 التاريخية. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات عابرة، بل هي جرس إنذار يتردد صداه في عمق البناء الوطني، مؤكداً حقيقة لا تقبل المساومة:
لا يمكن بناء أمة دون محاربة حقيقية وشاملة للفساد.
​عند تفكيك موقف الممتنعين عن التصويت، نجد أدبيات يائسة تختزل القناعة الشعبية؛ حيث يتردد المبدأ الشائع “ليس في القنافذ أملس” للدلالة على انعدام الثقة المطلق في الطبقة السياسية ورجالاتها. ورغم معرفة المقاطعين بالمنطق الأصولي والقانوني الذي يقول بأن :
“الصامت لا ينسب له رأي”.
إلا أنهم يلوذون بأضعف الإيمان وهو السكوت أو العزوف .
​وما يثير التأسف أن كل محاولة لفتح باب النقاش العقلاني معهم تُجاب بالاتهام الجاهز والوصم بـ “التطبيل”. إن هذا الصمت، الذي يراه الممتنعون موقفاً مبدئياً، تفسره القوى النافذة والفاسدة بدهاء على أنه “رضى ضمني” واستسلام للأمر الواقع. فالسياسة لا تعرف الفراغ، والمقاطعة -وإن كانت موقفاً يعبر عن إحباط عميق- لا تنتج التغيير المرجو؛ لأن الأحزاب التي فقدت مصداقيتها تمتلك قواعد ريعية ومصالح جارية، وبأصوات هؤلاء فقط يستمرون في النجاح وممارسة عادتهم العلنية والسرية على حد سواء.
​من هذا المنطلق، تتجه الرسالة صريحة ومباشرة إلى أجهزة الدولة كافة، عميقةً كانت أو غير عميقة:
حاربوا الفساد أولا وابنوا الإنسان بالتوازي .
​لا تتركوا المجال للانتهازيين كي “يشمروا عن أكتافهم” ادعاءً لمحاربة آفة هم في الأصل جزء أصيل منها وركن من أركانها. إن السياسي الفاسد لا يتغول إلا عندما لا يجد سلطة أو شعباً يوقفه عند حده، بينما المواطن لا يتردد في التوجه إلى صندوق الاقتراع عندما يجد من يمثله حقاً، وينسجم مع تطلعاته، ويلمس في سلوكه الصدق والجدية لتنزيل برنامج يخدم مستقبله ومستقبل أبنائه.
​إن محاربة الفساد لا تبدأ بالشعارات البرّاقة، بل بإغلاق الثقوب الهيكلية التي تتسرب منها ميزانيات الدولة، تلك الأموال التي تُهدر تحت ستار مشاريع يُروج لها بـ “أغلفة مالية سمينة ومنفوخة” دون أن تترك أثراً تنموياً ملموساً. كسر هذه الحلقة هو المدخل الإجباري والشرط الأول لأي إصلاح مرتقب، سواء في منظومة القضاء، أو جهاز الأمن، أو قطاعَي التعليم والصحة.
​قد تبدو هذه الرسالة مألوفة، ومما جف بها الحبر وزهدت في تكرارها الصحف والمجلات بعدما تحولت إلى شعار مستهلك؛ لكن التذكير بها يظل واجباً وطنياً ملحاً. فالشعارات لا تفقد قيمتها لأنها كُررت، بل لأنها لم تُطبق؛ والوطن الذي يطمح لبناء مستقبله يجب أن يبدأ أولاً بتطهير أساساته قبل رفع جدرانه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.