العودة إلى الورق: عندما تعيد أوروبا تقييم “ثورة الرقمنة” في التعليم….
#المحور24
في خطوة تشبه الاستفاقة التربوية بعد سنوات من الاندفاع نحو الشاشات، تتجه منظومات تعليمية رائدة في أوروبا—وعلى رأسها السويد، فنلندا، النرويج، فرنسا، إيطاليا، والدنمارك—نحو إعادة الاعتبار للوسائل التقليدية. القرارات الأخيرة لم تعد مجرد آراء فردية، بل تحولت إلى سياسات رسمية تعيد الكتب المطبوعة والكتابة باليد إلى الفصول الدراسية، بالتوازي مع فرض حظر صارم على استخدام الهواتف الذكية داخل المدارس.
تأتي هذه التحولات نتيجة تقارير ومؤشرات أكاديمية نبهت إلى تراجع مستويات الفهم القرائي وقدرة التركيز لدى الطلاب بسبب الإفراط في استخدام الشاشات. كشفت الأبحاث أن التوسع غير المحسوب في الوسائل الرقمية لم يحقق الوعود الوردية بزيادة تحصيل الطلاب؛ بل أدى إلى تشتت الذهن، وإضعاف مهارات الحفظ والاستيعاب العميق، فضلاً عن ضمور المهارات الحركية الدقيقة التي تنميها الكتابة اليدوية.
من الناحية العصبية، أثبتت الدراسات أن حركة القلم على الورق تنشّط مسارات في الدماغ تساعد على ترسيخ المعلومات وتطوير التفكير النقدي، وهو ما تعجز عن تحقيقه الكتابة على لوحات المفاتيح أو اللمس السريع للشاشات. كما أن القراءة من الكتاب الورقي توفر تجربة بصرية وحسية ثابتة، تتيح للطفل الاستغراق في النص دون الإشعارات والمشتتات التي تفرضها الأجهزة الإلكترونية.
أما حظر الهواتف في المدارس، فيهدف بالأساس إلى استعادة البيئة التعليمية والاجتماعية الطبيعية؛ إذ يُسهم تحييد الشاشات خلال اليوم الدراسي في خفض مستويات القلق والتوتر لدى الطلاب، ويشجعهم على التواصل البشري المباشر وبناء العلاقات الاجتماعية بعيداً عن الواقع الافتراضي.
إن ما تشهده هذه الدول لا يمثل تراجعاً الحضارة أو إنكاراً للتكنولوجيا، بل هو إعادة ضبط للعملية التعليمية وتصحيح لمسار شابه الإفراط. إنها صياغة لمعادلة متوازنة تُبقي التقنية في إطارها كأداة مساعدة، وتُعيد للورق والقلم مكانهما الأصيل كعمود فقري لبناء المعرفة والتركيز.