الوعود الانتخابية ودفتر التحملات: حين تتحول الالتزامات إلى مجرد شعارات للبيع
#المحور24
تتحول المنابر السياسية إبان كل استحقاق انتخابي إلى منصات لإطلاق الوعود المعسولة، حيث يستعرض المرشحون برامج معقدة ووعوداً برّاقة تجذب الناخبين وتدفعهم نحو صناديق الاقتراع. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح عقب كل دورة انتخابية هو: لماذا لا يُحاسب السياسيون على وعودهم الانتخابية بنفس المعايير التي يُحاسب بها الفاعلون الإداريون والاقتصاديون وفق “دفتر تحملات” ملزم؟
إن التعاقد السياسي، بمفهومه التقليدي، يفتقر حتى الآن إلى الآليات القانونية والتمثيلية التي تجعل من البرنامج الانتخابي عقداً ملزماً قانوناً. يُنظر إلى الوعود الانتخابية في أغلب الأنظمة الديمقراطية بوصفها توئماً للرؤية السياسية والتوجهات العامة، وليست التزاماً تعاقدياً بالمعنى المدني أو التجاري. هذا التمايز يمنح السياسي هامشاً واسعاً للمناورة والتملص تحت مظلة “تغير الظروف” أو “عدم توافر الإمكانيات”.
أسباب غياب المراقبة:
– طبيعة العمل السياسي ومتغيراته: تتأثر القرارات الحكومية والإنجازات بالعديد من الأزمات غير المباشرة أو غير المتوقعة (كالأزمات الاقتصادية العالمية، أو الكوارث الطبيعية، أو الجوائح)، مما يجعل فرض “دفتر تحملات” صارم أمراً صعب التطبيق على أرض الواقع.
– التحالفات والحكومات الائتلافية: في كثير من الأحيان، لا يحصل حزب واحد على الأغلبية المطلقة، مما يضطره لتشكيل حكومة ائتلافية تتطلب تقديم تنازلات والتخلي عن بعض الوعود لصالح التوافق المشترك.
– غياب الإطار القانوني الصريح: لا ينص القانون على عقوبات جزائية أو إدارية ضد المسئول الذي يفشل في تحقيق برنامجه، حيث تُترك العقوبة فقط للصندوق في الانتخابات القادمة.
في العقود التجارية والإدارية، يترتب على الإخلال ببنود دفتر التحملات جزاءات واضحة كالفسخ والغرامات؛ بينما يتسم “العقد السياسي” بالعمومية وغياب النص القانوني الملزم لتحقيق نتائج محددة. أدى هذا الفارق الصارخ واستمرار التملص من البرامج الانتخابية إلى استفحال ظاهرة “العزوف السياسي”، حيث يتولد لدى المواطن شعور عميق بقلة جدوى الصوت الانتخابي طالما أن البرامج تتهاوى فور إعلان النتائج وتبقى حبراً على ورق.
لكي تحافظ العملية الديمقراطية على جديتها، من الضروري العمل على تحويل البرامج الانتخابية إلى أدوات قابلة للقياس والتتبع عبر آليات عملية:
– تفعيل هيئات التقييم المستقلة: إنشاء مرصاد أو هيئات مستقلة لتقييم مدى تقدم الحكومة في تنفيذ وعودها وإصدار تقارير دورية للرأي العام.
– ربط البرامج بالميزانيات: إجبار الأحزاب على تقديم خطط عمل مرفقة بتقديرات مالية واقعية وتحديد مصادر التمويل قبل طرحها على الناخبين.
– تعزيز الثقافة القانونية للناخب: الانتقال من التصويت العاطفي إلى التصويت المبني على البرامج القابلة للتطبيق والمحاسبة.
يبقى الحفاظ على جدية الوعود الانتخابية ركيزة أساسية لإعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات السياسية؛ فمن دون ربط المسؤولية بالمحاسبة، ستظل السياسة ساحة للوعود العابرة بدلاً من أن تكون مشروعاً حقيقياً لبناء المستقبل.