خطاب الوهم.. تفكيك خطاب الجزيرة حول السيادة بالإقتصاد المغربي….
#المحور24
في مشهد إعلامي بات يعتمد على خلط الأوراق وتمرير الرسائل المبطنة، سعت قناة “الجزيرة” القطرية مؤخرًا إلى بث مغالطة فكرية تحت غطاء “التحليل”، مستهدفةً الصعود الصناعي للمملكة المغربية. هذا الأسلوب الذي يصح وصفه بـ “دس السم في العسل”، يحاول جاهدًا الربط التعسفي بين الطفرة الصناعية للمغرب وبين مزاعم “غياب السيادة”، في محاولة لافتة تعكس خلفيات نفسية وسياسية محكومة بمنطق “الحسد” والمناكفة الإعلامية.
المفارقة الصارخة هنا تكمن في “البيئة السياسية” للمنبر الناقد؛ فمن باب أولى أن تلتفت القناة إلى واقع قطر التي تتحرك تحت مظلة وصاية أمريكية صريحة، وتستضيف أكبر قاعدة جوية عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط (قاعدة العيديد)، فضلاً عن التواجد العسكري التركي الذي دخل البلاد منذ الأزمة الخليجية. هذا التناقض يوضح كيف تحاول الآلة الإعلامية إسقاط أزمات بنيوية داخلية على نجاحات إقليمية لدول أخرى.
إن الربط الاعتباطي بين القوة الصناعية وغياب السيادة يكشف عن جهل — أو تجاهل متعمد — للاقتصاد السياسي المعاصر. في عالم اليوم، لا توجد “سيادة اقتصادية مطلقة” بالمعنى الانعزالي؛ فكل الاقتصادات الحديثة، بلا استثناء، مندمجة في سلاسل القيمة العالمية وتعتمد على تداخل التجارة، والاستثمارات، ونقل التكنولوجيا.
بناءً عليه، فإن المقياس الحقيقي للسيادة لا يقاس بالانعزال، بل بـ “هامش الاستقلالية في صنع القرار الوطني”.
الممارسة الفعلية للسيادة: عندما تقوم الدولة بتحديد أولوياتها الصناعية، وتشييد مناطق حرة وعملاقة (مثل طنجة المتوسط)، وتفاوض على اتفاقيات تجارية دولية ندية، وتضع حوافز ضريبية لجذب الاستثمارات وتوجيهها نحو قطاعات استراتيجية (كالسيارات والطيران)، فإنها تمارس أقصى درجات السيادة الاقتصادية.
الاعتماد المتبادل ليس تبعية: الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية يفرض قيودًا مرنة على الجميع. فاقتصادات عملاقة مثل ألمانيا، واليابان، وكوريا الجنوبية تعتمد بشكل كلي على أسواق خارجية وعلى واردات الطاقة والمواد الخام، ولم يجرؤ أحد على ادعاء افتقارها للسيادة.
إن الادعاء القائل بأن “المغرب قوة صناعية لكنه لا يملك سيادة” هو سفسطة ذات منبع كرغولي يجمع بين قضيتين منفصلتين تحتاج كل منهما إلى برهان مستقل:
– عجز البرهان: إذا كان الهدف هو إثبات نقص السيادة الاقتصادية، فعلى القناة ومحلليها إثبات أن القرارات الاستراتيجية للمغرب تُملى عليه قسرًا من الخارج، وهو ما تفنده الوقائع، حيث يتحرك المغرب كلاعب جيوسياسي مستقل ينوّع شراكاته بين الشرق والغرب (أوروبا، أمريكا، الصين، والهند).
– الواقعية المغربية: المؤشرات على الأرض تؤكد أن الرباط هي من تقود السفينة؛ تختار شركاءها الدوليين بكامل إرادتها، وتطور بنيتها التحتية برؤية وطنية خالصة، وتوظف الرساميل الأجنبية لخدمة التنمية المحلية وخلق فرص الشغل.
إن محاولة التشكيك في السيادة المغربية من خلال بوابة النجاح الصناعي لا تخرج عن كونها “بروباغندا” عاجزة. المغرب لا يمارس سيادته بالشعارات الرنانة، بل بالعمل على الأرض وتوطين الصناعات الثقيلة. أما خطاب “الجزيرة” في هذا السياق، فيكشف عن حالة من “الإحباط النفسي” أمام نموذج تنموي مغربي يتقدم بثبات، بعيدًا عن ثقافة القواعد العسكرية الأجنبية وصكوك الوصاية.