400 رجل يختبرون أبوتهم لمولود ، عندما تتحول حياة الإنسان إلى مشهد استعراضي؟
بقلم: #المحور24
شهدت الفضاءات الرقمية مؤخراً موجة عارمة من الصدمة والجدل إثر تداول خبر يتعلق بإحدى صانعات المحتوى على منصة “أونلي فانز” (بوني بلو)، والتي أعلنت عن إخضاع أكثر من 400 رجل لفحوصات الأبوة (DNA) لتحديد هوية والد جنينها المرتقب. هذه الواقعة، التي تجاوزت في غرابتها حدود الخيال، لا يمكن التعامل معها كحدث عابر أو مجرد “تريند” رقمي يبحث عن الإثارة؛ بل هي عَرَض بليغ ومؤشر صارخ على المدى الذي وصلت إليه ثقافة “الفردانية المطلقة” والنموذج الاجتماعي الغربي المعاصر في نسخته الأكثر تطرفاً.
إن هذا المشهد السريالي يعيد إلى طاولة النقاش الفكري النقد العميق للمفاهيم السائدة حول “حرية الجسد” والاستقلالية المشوهة، والتي باتت تنتج واقعاً يفتقر إلى أدنى مستويات المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية.
ماهي الأسباب الكامنة وراء الظاهرة؟
إن بروز مثل هذه السلوكيات إلى العلن وتقبلها كـ”مادة للفرجة” يعود إلى جملة من التحولات البنيوية في الثقافة الحديثة:
– تغوّل الفردانية وتأليه “الأنا”: تحولت الحرية من مفهوم مسؤول يضمن كرامة الفرد وتكالله مع المجتمع، إلى “حرية مطلقة” تنفي وجود أي ضوابط أخلاقية أو دينية أو فطرية، حيث تصبح رغبة الفرد الشديدة هي المرجعية الوحيدة للحق والباطل.
– التمكين المشوّه وتسليع الجسد: تحت لافتات براقة مثل “التمكين الاقتصادي للمرأة” و”الاستقلالية الجسدية”، جرى تبييض ممارسات كانت في السابق تصنف كاستغلال، لتتحول عبر منصات الميكرو-اقتصاد الرقمي إلى نوع من “الريادة”، حيث يُختزل الجسد البشري والعلاقات الإنسانية في سلع قابلة للتسعير والمقايضة.
– اقتصاد الانتباه والأرباح الرقمية: في العصر الرقمي، تحولت “الإثارة” إلى عملة صعبة. لم يعد المهم هو جودة ما يُقدم، بل حجم “النقرات” (Clicks) والمشاهدات، وهو ما يحفز الأفراد على كسر كل الخطوط الحمراء والتابوهات المجتمعية لتحقيق أكبر عائد مادي ممكن.
ماهي النتائج والارتدادات الاجتماعية؟
لا تتوقف هذه الظواهر عند حدود المنصات الرقمية، بل تمتد آثارها لتضرب عمق النسيج الإنساني وتخلف نتائج وخيمة على عدة مستويات:
– على رأس هذه النتائج يأتي تفكيك مفهوم الأسرة البنيوي؛ حيث جرى اختزال العلاقات الإنسانية العميقة إلى “أرقام وإحصائيات” جافة، مما يفرغ الأمومة والوالدية من قيمتهما الفطرية والروحية، ويحول الأسرة من مؤسسة تربوية مقدسة إلى مجرد نتاج صدفة بيولوجية عشوائية.
- تنعكس هذه الأزمة مباشرة على انتهاك حقوق الطفل الفطرية؛ إذ يتحول الجنين (قبل أن يولد) إلى ضحية لنمط حياة عشوائي يحرمه من حقه الأساسي في الاستقرار النفسي ومعرفة نسبه بشكل طبيعي، فضلاً عن تحويله إلى “مادة دعائية” وصناعة محتوى تهدف لجلب المشاهدات والأرباح لوالدته.
– أما على المستوى المجتمعي، فإن النتيجة الأخطر تكمن في تطبيع الفوضى السلوكية؛ حيث يؤدي انقسام آراء المتابعين بين مستنكر ومدافع يرى في السلوك “شجاعة للوصول إلى الحقيقة”، إلى تخدير الوعي العام تدريجياً، وجعل العبث الأخلاقي نمط حياة مقبولاً ومبرراً في نظر الأجيال القادمة.
إن تصدّر هذه الحادثة لعناوين الأخبار ليس نجاحاً تسويقياً لصاحبته بقدر ما هو إدانة صريحة وواضحة لمنظومة ثقافية مأزومة. إنها ثقافة تشرعن العبث السلوكي تحت مسمى “الحريات”، وتختزل قيمة الإنسان ومصير الأجيال القادمة في عدد المتابعين وحجم الأرباح المادية.
إن هذه الواقعة تقف كشاهد إثبات على أن الحرية عندما تتجرد من المسؤولية والأخلاق، لا تقود الإنسان إلى التحرر، بل تنحدر به إلى قاع سحيق يفقد فيه أثمن ما يملك: فطرته السوية وكرامته الإنسانية.