بناء البشر بموازاة بناء الحجر: عندما تغيب التربية ويسقط الوعي في تامنصورت
بقلم: المحور 24
شهدت مدينة تامنصورت في الآونة الأخيرة موجة من السلوكيات التخريبية التي طالت عدداً من التجهيزات والمرافق العمومية. هذا المشهد المؤسف يعيد إلى الواجهة تساؤلاً جوهرياً حول أولويات التنمية؛ هل يكفي تشييد الجدران وتزيين الساحات في غياب إنسان واعٍ يحافظ عليها؟ إن ما حدث لـ “حديقة الياسمين” و”ساحة العمران”، مروراً بتخريب ملعب الرباط، يضعنا أمام مرآة واقع مرير يثبت أن “بناء البشر مقدم على بناء الحجر”.
ما يحدث في أزقة وساحات تامنصورت ليس مجرد “طيش شباب”، بل هو ظاهرة “تخريب متعمد للملك العام” (Vandalism)، يعكس انفصاماً حاداً بين المواطن ومحيطه. عندما يرى المراهق في الممتلكات العامة هدفاً للتدمير (كمصابيح الحدائق والكراسي بساحة العمران)، فهذا يعني غياب “حس الانتماء” للمدينة، والتعامل مع الفضاء المشترك كأنه فضاء “غريب” أو “عدو” وجب الانتقام منه.
فالظاهرة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج تداخل ثلاثة عوامل رئيسية:
– تواطؤ الأسرة وتقصيرها : يكمن السبب الأول في البيت. وقوف الآباء والأمهات موقف المتفرج (أو ما يعرف بالعامية بـ “ما مسوقينش”) أمام سلوكات أبنائهم الإجرامية تجاه الملك العام هو تواطؤ غير معلن. غياب التوجيه والنهي يربي جيلاً يعتبر الفوضى حقاً مشروعاً ، لهذا وجب على الدولة تحميل الأب و الأم صوائر إصلاح ما تم تخريبه و تعويض الحق العام بشكل تام حتى لا يضيع المال العام ودول يتم ردع هؤلاء بشكل إيجابي و مفيد .
– الانتهازية السياسية: لعقود طويلة، ركزت السياسات المحلية على “المقاربة الإسمنتية” (الصفقات السريعة، بناء الساحات، تشييد المباني) لأنها تدر أرباحاً سريعة على جيوب السياسيين وتصلح كشعارات انتخابية براقة. بالمقابل، تم إهمال الاستثمار في الإنسان (التعليم، دور الشباب، التثقيف) لأنه استثمار طويل الأمد لا تظهر نتائجه في الولاية الانتخابية القصيرة.
– عقلية التدمير الذاتي: سيادة عقلية تخريبية وهدامة بين بعض المراهقين، تفتقر لأبسط مبادئ الوعي المجتمعي والمسؤولية المدنية.
فما هي النتائج والتداعيات ؟ لأن الكلفة ثقيلة على الجميع…
إن استمرار هذا النزيف الأخلاقي والمادي يؤدي إلى نتائج وتداعيات وخيمة على مستقبل المدينة:
1) النتائج المباشرة:
– استنزاف المال العام: تدمير كراسي “ساحة العمران” أو مصابيح “حديقة الياسمين” يعني هدراً لأموال دُفعت من جيوب دافعي الضرائب، وإعادة إصلاحها تحرم المدينة من مشاريع جديدة أخرى.
– تخريب الجمالية الحضرية: تحول المرافق التي كانت متنفساً للعائلات إلى نقاط سوداء مشوهة ومظلمة، مما ينعكس سلباً على جودة الحياة والأمن بالمنطقة.
2) التداعيات المستقبلية:
– تفريخ جيل غير مسؤول: إهمال التربية اليوم ينتج مواطني الغد المستهترين، مما يعني استمرار حلقة الفساد والانتهازية؛ فالمراهق المخرب اليوم قد يصبح غداً مسؤولاً انتهازياً يكرر نفس الدائرة.
– تراجع الجاذبية الاستثمارية والسياحية: تفشي التخريب يعطي انطباعاً بانعدام الأمن والتحضر، مما ينفر الاستثمارات ويقوض جهود تنمية تامنصورت.
إذا تطلعنا إلى تجارب دولية ناجحة كاليابان أو سنغافورة، نجد أن سر نهضتها لم يكن في فخامة الإسمنت، بل في الاستثمار الفكري والأخلاقي في الإنسان. في تلك الدول، يُعجن الطفل منذ صغره على قيم “المصلحة العامة” و النتيجة؟ منشآت ومرافق تدوم لعقود، تُستغل بأرقى الطرق، وتتحول إلى بيئة جاذبة ومثمرة لأن خلفها مواطناً يحميها بعقله قبل يده.
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب تدخلاً حازماً ومسؤولاً من الدولة ومؤسساتها، يرتكز على:
– المعادلة الذهبية:الاستثمار في البشر يعطينا جيل واعي يحمي الحجر و يفرخ لنا سياسيين مسؤولون يخدمون الصالح العام بمبدأ “شوية لربي وشوية لعبدو”.
– تفعيل القانون: الضرب بيد من حديد على يد المخربين، وتحميل أولياء الأمور المسؤولية المادية والقانونية الكاملة عن أفعال أبنائهم القاصرين.
– إعادة الاعتبار لمؤسسات التنشئة: تفعيل دور المدارس، دور الشباب، والمجتمع المدني في تامنصورت لتأطير هؤلاء المراهقين وتفريغ طاقاتهم في الرياضة والفن بدل التخريب.
– تغيير العقليات السياسية: يجب على مدبري الشأن المحلي الانفصال عن عقلية “صفقات الهمزة ” والتوجه نحو مشاريع التنمية البشرية المستدامة.
إن إنقاذ تامنصورت من براثن التخريب يبدأ من العقول لا من الفؤوس، وبناء جيل يغرس شجرة ويحمي مصباحاً، هو الربح الحقيقي للمغرب في مستقبله.