ريع الشاشات: عندما يغدو “طلاء” الدعم العمومي أغلى من المحتوى

0

#المحور24
​في عام 2016، قدم المخرج “تشارلي لاين” فيلماً عبثياً مدته عشر ساعات، لا يعرض سوى طلاء أبيض يجف على جدار من الطوب. كان الهدف الاحتجاج على “بيروقراطية” الرقابة في بريطانيا. أما في واقعنا الفني، يبدو أن طلاء الدعم العمومي للأفلام و”السيتكومات” هو الذي لا يجف أبداً، ليس احتجاجاً، بل تكريساً لواقع يغرف فيه البعض من المال العام لتقديم “تفاهة” مغلّفة بضحك باهت.

​حين تضخ الدولة مبالغ تصل إلى 300 مليون سنتيم لممثل واحد عن “دعابة رمضانية” لا هي أغنت الفكر التاريخي للمغاربة، ولا هي شحذت وعيهم السياسي، ولا حتى ارتقت بذوقهم الفني، فنحن أمام اختلال بنيوي في مفهوم “الدعم”.
​بينما يشتكي البعض من “الكم” وآخرون من “الكيف”، تبرز الحقيقة المرة: الفجوة في “الروسيطة” (الأرباح) تعكس عشوائية في التوزيع، حيث تصبح كعكة الدعم غاية في حد ذاتها، وليست وسيلة لإنتاج فن حقيقي.
​إن مقارنة مشروع “تشارلي لاين” بواقعنا تكشف مفارقة عجيبة؛ فبينما استخدم “لاين” عبثية الصورة لمحاربة الحواجز المالية أمام المبدعين المستقلين، نجد أن أموال الدعم لدينا تذهب أحياناً لتمويل أعمال “أكثر عبثية” لكن دون قضية.
​لماذا يغيب المشروع الوطني عن الشاشة؟
نحن بحاجة إلى سينما تقتفي أثر التاريخ، سينما تنبش في:
​ملفات الاستعمار الفرنسي: لربط الحاضر بالماضي.
​حرب الرمال والوحدة الترابية: لتعزيز الهوية الوطنية لدى جيل يكاد ينسى تاريخ بلاده.
​إشكالات الشباب الحقيقية: بعيداً عن الصور النمطية والإثارة الجسدية المبتذلة.
​إن الدعم العمومي ليس “صدقة” تُمنح للمنتجين، بل هو استثمار سيادي في عقل المواطن. التحدي اليوم يكمن في تحويل هذا الدعم من أداة لإنتاج “الرداءة الموسمية” إلى محرك لصناعة الوعي.
​ إن كان المبدعون في الغرب يبتكرون “أفلاماً صامتة” للاحتجاج على القوانين، فإن صمتنا عن هدر المال العام في أعمال “ساقطة” لغوياً وفنياً هو الذي يمنح الضوء الأخضر لاستمرار هذا الهدر.
​آن الأوان أن يُربط الدعم بـ “القيمة المضافة”؛ فالتاريخ لن يتذكر من جنى الملايين من “سيتكوم” تافه، بل سيتذكر من خلد تضحيات أمة على شريط سينمائي يرفض النسيان.
​#المحور24

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.