القانون الجنائي المغربي في دهاليز الحكومة : تجريم (التسول- السرقة الرقمية ، هدر المياه…)
الرباط | #المحور24
يبدو أن “الزلزال التشريعي” الذي كان ينتظره المغاربة لتحديث منظومتهم الجنائية قد تأجل إلى إشعار آخر. فبينما يشتد النقاش حول تصاعد الظواهر الإجرامية، يقف مشروع القانون الجنائي عاجزاً عن تخطي عتبة الحكومة نحو البرلمان، مكبلاً بسلسلة من الخلافات العميقة التي لم تنجح “كيمياء” التحالف الحكومي في تفكيك عقدها بعد.
بصراحته المعهودة، وضع وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، الأصبع على الجرح خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، حين أقرّ بأن مشروع القانون الجنائي يسبح في بحر من “التباينات العميقة”. هذه التباينات ليست تقنية فحسب، بل هي صراع رؤى وخلفيات إيديولوجية وقانونية تجعل من صياغة نص جامع مهمة أشبه بـ “المستحيلة” في الوقت الراهن.
وبرر الوزير هذا التعثر بظاهرة “الإبداع الجنائي”، حيث أشار إلى أن الجريمة في المغرب باتت تتجدد يومياً، مما يفرض على المشرع مطاردة أنماط مستحدثة، بدءاً من “سرقة الأموال الافتراضية” وصولاً إلى “جرائم هدر المياه” التي فرضتها التحديات المناخية، وهو ما يضع الحكومة في حرج بين الرغبة في التحديث وخشية السقوط في “تضخم نصوصي” بلا فاعلية.
في المقابل، لم تكن نبرة المؤسسة التشريعية أقل حدة؛ فقد دقت النائبة فدوى محسن، عن الفريق الحركي، ناقوس الخطر حيال ما وصفته بـ “التصاعد المقلق” للانفلاتات الأمنية التي لم تعد مجرد حالات معزولة، بل أصبحت تمس “الإحساس الجماعي بالأمن”.
وانتقدت البرلمانية بشدة استمرار سحب المشروع من البرلمان دون بديل، معتبرة أن التأخر في إصلاح الترسانة القانونية يضعف نجاعة الردع ويترك ثغرات يتسلل منها “المجرمون المبتكرون”، داعية إلى سياسة جنائية حديثة توازن بين زجر الجريمة وضمانات الإنصاف.
يجد مشروع القانون الجنائي نفسه اليوم في قلب معادلة “صفرية”؛ فحاجة المجتمع لترسانة قانونية رادعة تواجه صخرة “عدم التوافق” داخل المطبخ الحكومي. ومع اقتراب نهاية الولاية التشريعية، يرتفع منسوب الشكوك حول قدرة الأغلبية على تمرير هذا الإصلاح، مما قد يحيله قسراً على “رفوف” الولاية المقبلة.
تحديات أمام المشرّع:
– مواكبة العصر: إدراج جرائم الذكاء الاصطناعي والعملات الرقمية.
– حماية الموارد: تجريم استنزاف الثروة المائية كأولوية وطنية.
– الفعالية الميدانية: ضمان أن النص القانوني يمنح رجال الأمن والجانب القضائي أدوات حقيقية للردع.
يبقى السؤال المعلق فوق قبة البرلمان:
هل يمتلك الفاعل السياسي الشجاعة الكافية لتقديم تنازلات متبادلة لإخراج هذا القانون إلى النور؟ أم أن الحسابات السياسية الضيقة ستجهض حلماً طال انتظاره لتعزيز الأمن والثقة في العدالة الجنائية؟