المغرب والسنغال: حين تسقط الأقنعة وتتحول “الكرة” إلى حصان طروادة سياسي لقلب التحالفات.

0

بقلم: نورالدين بوقسيم
​لم تكن “المناورات السنغالية” التي أحاطت ببطولة كأس أمم إفريقيا 2025 مجرد زوبعة في فنجان رياضي، أو انفعالاً جماهيرياً عابراً، بل كانت لحظة الحقيقة التي كشفت للمغاربة وجهاً غريباً لـ “شقيق” طالما اعتبرناه عمقاً روحياً واستراتيجياً. ما حدث لم يكن “ابتزازاً” كروياً، بل كان محاولة مدبرة لإفساد العرس المغربي، في خطوة بدت وكأنها “إعلان نيات” لعهد سياسي جديد يقطع مع الماضي.

​تشير المعطيات الميدانية إلى أن السلطات في دكار، بقيادة الثنائي (ديوماي فاي وعثمان سونكو)، قد حسمت خياراتها بعيداً عن الرباط. لم يكن التحول فجائياً، بل جرى طبخه على نار هادئة لتجنب الصدمة المباشرة. فبمجرد إزاحة الحرس القديم الصديق للمغرب، انطلقت الماكينة السنغالية في نسج خيوط تقارب مريب مع الجزائر، شمل كافة الأصعدة: من الاقتصاد والإعلام وصولاً إلى محاولة خلخلة المرجعية الروحية وتوجيه البوصلة الصوفية من فاس إلى الجزائر العاصمة.
​لقد احتاج هذا التحول الجذري إلى “وقود عاطفي” لجر الشعب السنغالي خلف التوجه الجديد، فكانت الرياضة هي المسرح المثالي. إن الموجة الإعلامية المنسقة بين دكار والجزائر قبل وبعد “الكان” لم تكن صدفة، بل كانت “هندسة وعي” تهدف لتحويل مشاعر الإخاء التاريخية إلى عداء مجاني، وتوفير غطاء شعبي لقرارات سياسية قد تبدو صادمة للوجدان الإفريقي.
​عندما يتحدث عثمان سونكو عن “إفريقيا الـ 55 دولة”، فهو لا يقدم درساً في الجغرافيا، بل يرسل برقية سياسية مشفرة تضرب في عمق الثوابت المغربية. هذا الخطاب يجد اليوم صدى لدى شارع جرى شحنه إعلامياً، ليصبح السنغالي الذي كان يرى في المغرب بيته الثاني، مهاجماً لكل ما هو مغربي تحت مسمى “السيادة الجديدة”.
​إن ما يحدث اليوم هو جرس إنذار لكل مغربي؛ فالأقنعة قد سقطت، والمخططات التي كانت تحاك في الكواليس لزعزعة الروابط الروحية العريقة أصبحت في العلن. لكن ما يغيب عن مهندسي هذا التحول في دكار هو أن قوة المغرب ليست رهينة بتقلبات الأنظمة أو أمزجة القادة، بل هي مستمدة من تاريخ ضارب في القدم وجبهة داخلية صلبة.
​دبلوماسية النوايا الحسنة التي انتهجها المغرب طويلاً، تحميها اليوم “دبلوماسية الحزم” وشعب لا يقبل العبث بمقدساته. فهل يدرك الواهمون أن العبث مع الرباط هو مقامرة خاسرة في سوق السياسة الإقليمية؟
​لهذا التحول أربعة محاور أساسية:
​1. البعد الجيوسياسي (التحول من المحور الكلاسيكي):
فرضية انتقال السنغال من “الحليف الاستراتيجي الوفي” للمغرب (في عهد ماكي صال) إلى “الحليف البراغماتي” للجزائر. هذا التحول يضرب واحدة من أمتن ركائز الدبلوماسية المغربية في إفريقيا، وهي “العلاقة الروحية والتاريخية”.
​2. توظيف الرياضة كأداة للبروباغندا (Sportswashing in Reverse):
إن التوتر الرياضي في “كان 2025” لم يكن سبباً بل كان “أداة”. السلطة الجديدة في السنغال استخدمت كرة القدم لقطع الرابط العاطفي بين الشعبين، مما يسهل عليها لاحقاً تمرير قرارات سياسية قد تكون معادية لمصالح المغرب دون معارضة داخلية.
​3. حرب “الشرعية الروحية”:
محاولة نقل الوجهة الروحية من فاس (حيث ضريح الشيخ أحمد التجاني) إلى الجزائر هي أعمق نقطة في التحليل. المغرب يمتلك “قوة ناعمة” هائلة في السنغال عبر الطريقة التجانية، محاولة “جزائرية-سنغالية” لكسر هذا الاحتكار الروحي.
​4. نبرة الوعي والتحذير:
“التحدي”. هي رسالة موجهة للداخل المغربي بضرورة الانتقال من “دبلوماسية العاطفة” إلى “دبلوماسية الواقعية السياسية”، مع التأكيد على أن ثوابت المملكة (وعلى رأسها الصحراء المغربية) خط أحمر لا يتأثر بتغير الرؤساء في دكار.
حالة من “الصدمة الإيجابية” التي تدفع نحو إعادة قراءة خارطة التحالفات الإفريقية بناءً على المتغيرات الجديدة، وليس فقط على الأمجاد التاريخية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.