صفقات الجماعات: “كعكة” التنمية التي تتحول إلى مقصلة للمنتخبين
بقلم: #المحور24
لطالما سُوق للمجالس الجماعية على أنها القنطرة نحو مغرب المؤسسات والحكامة، لكن الواقع الرقابي الأخير كشف عن وجه آخر لتدبير الشأن المحلي؛ حيث تحولت “الصفقات العمومية” من أداة لتجويد حياة المواطنين إلى “طعم” يجر العديد من رؤساء الجماعات إلى ردهات المحاكم، ومقاعد العزل، وصولاً إلى أسوار السجون.ط فهل ينقلب السحر على الساحر ؟
لماذا يسيل لعاب الفاسدين على هذا القطاع بالذات؟ الإجابة تكمن في حجم الغلاف المالي المرصود. فالصفقات العمومية تمثل الشريان المالي الأضخم في ميزانيات الجماعات، وهي المجالات التي تتقاطع فيها المصالح السياسية بالبيزنس الخاص مع غموض في التفاصيل و وجود ثغرات للإغتناء .
يرى المحللون أن “بريق” الملايير المخصصة للتهيئة الحضرية، والإنارة، والنظافة و النقل و الاوراش الكبرى و الأحياء الصناعية و حتى السكنية ، يخلق نوعاً من “العمى الرقابي” لدى بعض الرؤساء، الذين يعتقدون أن هندسة الصفقات على مقاس شركات معينة مع وضع بنود معينة و شروط في الأداء مع تماطل و تطيل و وضع العصى في العجلة هي عمليات تقنية معقدة يمكن إخفاؤها، لكنهم يتناسون أن آليات الافتحاص المعاصرة باتت تملك “مرايا عاكسة” تكشف أدق التفاصيل.
فلماذا تسقط الرؤوس في فخ الصفقات؟
يمكن تلخيص الدوافع والآليات التي تجعل من الصفقات العمومية سبباً للمحاسبة في ثلاث نقاط جوهرية:
1)الاختلالات المسطرية (الفخ التقني):
غالباً ما يتم التلاعب بـ “دفاتر التحملات” (Cahiers des Charges) لتناسب “صديقاً” أو “شريكاً خفياً”. هذا التوجيه المسبق للصفقة هو أول خيط تمسك به قضاة المجلس الأعلى للحسابات أو لجان التفتيش التابعة لوزارة الداخلية.
2) نفخ الفواتير والمشاريع الوهمية:
تعد هذه النقطة هي “القشة التي تقصم ظهر” المنتخب. فاعتماد مبالغ خيالية لأشغال بسيطة، أو المصادقة على تسلم مشاريع لم تكتمل فعلياً على أرض الواقع، يضع الرئيس في مواجهة مباشرة مع تهمة تبديد أموال عمومية، وهي تهمة لا تسقط بالتقادم السياسي.
3) تضارب المصالح:
يقع الكثير من الرؤساء في فخ منح صفقات لشركات يملكون فيها أسهماً أو تعود لأقاربهم من الدرجة الأولى كالأخ او ما جاوره . هذا الخرق السافر للمادة 65 من القانون التنظيمي للجماعات أصبح اليوم سبباً “أوتوماتيكياً” للعزل من طرف المحاكم الإدارية.
لهذا فيقظة الرقابة.. هي نهاية لزمن “السيبة” و إن ما نشهده اليوم من متابعات قضائية في مختلف ربوع الوطن ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج “تسونامي رقابي” تقوده مؤسسات دستورية صارمة. لم تعد التقارير السنوية مجرد حبر على ورق، بل تحولت إلى إحالات مباشرة على النيابة العامة.
”إن الصفقات العمومية هي المرآة التي تعكس نظافة يد المنتخب كيفما كان ، فإما أن تكون رافعة لنمو جماعته، أو حبل مشنقة لمستقبله السياسي والحر.”
إن المحاسبة التي تطال رؤساء الجماعات اليوم ليست استهدافاً للأشخاص، بل هي صرخة نظام قانوني يرفض أن تظل أموال الشعب “غنيمة” يتقاسمها الفاسدون تحت غطاء التنمية. إنها رسالة واضحة لكل من يجلس على كرسي الرئاسة: “الصفقات العمومية أمانة.. والعبث بها خيانة لا تغفرها تقارير الافتحاص.”
و حتى نكون منصفين ، فالرئيس ليس هو الوحيد الفاسد في مجلس قد يتكون من عدد من النواب الذين لا يصوتون على مرور صفقة إلا إذا وصلهم منها ما يفيد حساباتهم للأسف ، لهذا ، وجب على المجلس الأعلى للحسابات أن يحمل المجلس بأكمله المسؤولية أو جزء منها ، فلا يعقل أن يعرقل نواب مرور صفقة في صالح المواطن تحت ذريعة الديمقراطية و (بلا بلا) و بعد أن يصلهم بريقها يتحولون لمؤيدين……
تحية وتقدير.