قواعد مغايرة: كيف يقود “سلاح المسيرات” المغرب نحو سيادة عسكرية ذكية؟

0

#المحور24
​لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بضخامة الأساطيل أو عدد الفيالق، بل باتت تُحسم في “صراع الاستنزاف الرقمي”. فبينما كانت القوى العظمى تتباهى بترساناتها التقليدية، جاءت “ثورة الدرون” لتقلب الطاولة، محولةً طائرات بسيطة التكلفة إلى كوابيس تؤرق الأنظمة الدفاعية الأكثر تعقيداً في العالم.

​في هذا المشهد المتغير، لا يكتفي المغرب بدور المتفرج؛ بل يتحرك بخطى هادئة وواثقة لصياغة مفهوم جديد لـ “السيادة الصناعية العسكرية”.

​توقفت صحيفة The New York Times مطولاً عند هذا التحول، مشيرةً إلى أن المسيرات (كما ظهر في نزاعات الشرق الأوسط) فرضت واقعاً عسكرياً مرعباً. طائرة لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات، قادرة على إرباك منظومات دفاعية تكلف الصواريخ الاعتراضية فيها ملايين الدولارات. هذه “الفجوة السعرية” خلقت معادلة استنزاف غير متكافئة، جعلت من التكنولوجيا منخفضة الكلفة سلاحاً فائق التأثير.

​أدرك المغرب مبكراً أن التفوق الكمي لم يعد كافياً، فقرر الانخراط في سباق التسلح النوعي. لم يعد الطموح المغربي محصوراً في شراء أحدث الطائرات بدون طيار، بل انتقل إلى استراتيجية “التوطين”.

​”المغرب لا يشتري السلاح فقط، بل يستقطب العقول والمصانع ليصنع قراره الدفاعي بيده.”
​ويمكن رصد هذا التحول من خلال ركيزتين أساسيتين:

– ​الشراكة مع “بايكار” (Baykar): عبر مشروع طموح لإقامة وحدة صناعية تابعة لفرعها “أطلس ديفانس”، مما يضع المغرب على خارطة الإنتاج العالمي لأكثر المسيرات كفاءة (مثل بيرقدار).
– ​الإنتاج الفعلي مع “BlueBird”: دخلت شركة “BlueBird Aero Systems” مرحلة التصنيع الفعلي داخل المملكة، بما في ذلك المسيرات الانتحارية من طراز “SpyX”، وهو ما يعني أن “صُنع في المغرب” بات حقيقة ملموسة في عالم الصناعات العسكرية.

​هذا الحراك ليس مجرد صفقات معزولة، بل هو جزء من رؤية ملكية شاملة تهدف إلى بناء قاعدة صناعية وطنية. وتستند هذه الرؤية إلى:
– ​إطار قانوني مرن: يسمح بالتصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا الحساسة.
– ​مناطق صناعية متخصصة: تهدف لجذب الاستثمارات العالمية في قطاع الدفاع.
– ​تنويع الشركاء: عدم الارتهان لجهة واحدة، وتطوير الكفاءات المغربية الشابة لتشغيل هذه المنظومات.

تؤكد حروب الدرون حقيقة واحدة: “من يمتلك القدرة على الإنتاج الذكي والمستقل، يمتلك مفاتيح التأثير”. والمغرب، بتبنيه هذه المقاربة الصامتة والفعالة، لا يكتفي بحماية حدوده فحسب، بل يرسخ مكانته كفاعل إقليمي صاعد، يعيد تعريف مفهوم القوة في القرن الحادي والعشرين عبر بوابة التكنولوجيا والسيادة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.