الأمن الغذائي الأمريكي : هل يصبح الفوسفاط المغربي “ورقة الحسم” في استراتيجية ترامب؟
بقلم: #المحور24
في الوقت الذي تتصاعد فيه طبول الحرب في منطقة الشرق الأوسط وتتعثر سلاسل الإمداد العالمية، تتجه أنظار البيت الأبيض نحو “إمبراطورية الفوسفاط” في شمال إفريقيا. لم يعد المغرب بالنسبة لواشنطن مجرد حليف سياسي تقليدي، بل تحول إلى صمام أمان جيوسياسي لضمان استقرار الأمن الغذائي والاقتصادي للولايات المتحدة.
وفقاً لما نقلته وكالة “رويترز”، دخلت إدارة الرئيس دونالد ترامب في مفاوضات مباشرة مع المملكة المغربية لتأمين تدفقات ضخمة من الفوسفاط والأسمدة. هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت كاستجابة استباقية من المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، كيفن هاسيت، لمواجهة تداعيات النزاع مع إيران الذي يهدد ممرات الشحن الدولية.
في فلسفة “أمريكا أولاً”، يبدو أن ترامب يدرك أن حماية المزارع الأمريكي تبدأ من ضمان وصول الأسمدة المغربية، بعيداً عن تقلبات مضيق هرمز أو التوترات المشتعلة في الشرق الأوسط.
فلماذا المغرب؟ ولماذا الآن؟
يمكن قراءة هذا التحرك الأمريكي من خلال ثلاث زوايا استراتيجية:
1. الفوسفاط كـ “نفط جديد”:
إذا كان النفط يحرك الآلات، فإن الفوسفاط هو الذي يطعم العالم. امتلاك المغرب لأكثر من 70% من الاحتياطيات العالمية يجعله “قوة عظمى” في معادلة الغذاء العالمي. واشنطن تعي أن الاعتماد على المورد المغربي هو الخيار الأكثر استدامة وموثوقية في ظل نظام عالمي مضطرب.
2. الالتفاف على جغرافيا التوتر:
بتأمين خطوط إمداد مع المغرب، تخرج أمريكا من “عنق الزجاجة” الذي تفرضه الصراعات في الشرق الأوسط. فالمسار البحري الأطلسي بين المغرب والولايات المتحدة آمن عسكرياً ولوجستياً، مما يضمن تدفقاً مستمراً للأسمدة دون خوف من القرصنة أو الإغلاق العسكري للممرات المائية.
3. التناغم السياسي والاقتصادي:
هذا التعاون يعزز مبدأ “الشراكة مقابل الاستقرار”. فالمغرب، الذي أثبت قدرته على أن يكون قطب استقرار في القارة الإفريقية، يقدم نفسه كشريك يمتلك الحلول اللوجستية (عبر المجمع الشريف للفوسفاط OCP) والحلول السياسية، مما يعمق الاعتراف الأمريكي بمكانة المملكة كفاعل دولي لا يمكن تجاوزه.
إن مساعي إدارة ترامب لتأمين الفوسفاط المغربي بالتوازي مع البحث عن بدائل للنفط الفنزويلي، تعكس تحولاً جذرياً نحو “الدبلوماسية النفعية”؛ حيث تُبنى التحالفات على أساس الموارد الحيوية. المغرب اليوم لا يبيع أسمدة فحسب، بل يصدر “الاستقرار” للقوى العظمى، معززاً مكانته كلاعب لا غنى عنه في الخارطة الاقتصادية للقرن الحادي والعشرين.
ملاحظة: هذه التحركات تؤكد أن “السيادة الرقمية” التي تحدثنا عنها سابقاً، يجب أن تواكبها “سيادة اقتصادية” تجعل من صوت المغرب مسموعاً ومؤثراً في مراكز القرار العالمي.