تحالف “السترات البيضاء”.. حين تتحول قدسية الشفاء إلى “بزنس” الاستنزاف
#المحور 24
دون تعميم و في عمق المنظومة الصحية، حيث يُفترض أن تُنسج خيوط الأمل للمريض، تبرز على السطح بعض ظواهر تخدش حياء المهنة وتضرب عرض الحائط بـ “قسم أبقراط”. نتحدث هنا عن ذلك “التحالف غير المقدس” الذي قد يربط في بعض الحالات بين الطبيب، المختبر، والصيدلي؛ مثلث مصلحي أضلاعه الاستغلال وقاعدته جيب مواطن منهك، قد لا يملك حتى ثمن “فيزيتا” الكشف الأولي.
تبدأ الحكاية بزيارة عادية لطبيب، وبدلاً من التشخيص الإكلينيكي الدقيق، يجد المريض نفسه محاصراً بـ “توجيهات ملزمة” نحو مختبر تحاليل بعينه، أو مركز أشعة محدد، لينتهي به المطاف في صيدلية “موصى بها”. هذه الدائرة المغلقة ليست دائماً بدافع الدقة الطبية، بل في كثير من الأحيان هي “هندسة ربحية” تعتمد على نظام “العمولات” أو تبادل المصالح تحت الطاولة.
فلماذا يسقط البعض في “فخ المحظور”؟
لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون الغوص في مسبباتها السوسيولوجية والاقتصادية، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
– غياب الرقابة الصارمة: ضعف آليات التفتيش من طرف الهيئات المهنية والوزارات الوصية يجعل من “التواطؤ اللفظي” بين الأطراف الثلاثة أمراً صعب الإثبات قانونياً رغم وضوحه واقعياً.
– التوحش الرأسمالي في قطاع الصحة: تحول الطب من “خدمة إنسانية” إلى “استثمار مالي” يتطلب تحقيق عوائد سريعة، مما يدفع البعض لتعويض تكاليف التجهيزات الباهظة عبر تكثيف الفحوصات غير الضرورية.
– هشاشة الوعي القانوني للمريض: غياب ثقافة “الحق في اختيار المختبر” أو “الحق في التساؤل” يجعل المريض لقمة سائغة، حيث يسلم أمره كلياً للطبيب ظناً منه أن توجيهه نحو مركز بعينه هو “أمانة طبية” وليست “صفقة تجارية”.
فحين نرفع صوت النقد، نحن لا نعمم؛ فالجسم الطبي المغربي يزخر بشرفاء يقدسون المهنة ويضحون بالغالي والنفيس. لكن “الشجرة التي تسقط تحدث ضجيجاً أكبر من الغابة التي تنمو”. هذه التصرفات اللأخلاقية لا تنهب الجيوب فحسب، بل تضرب “الثقة” في مقتل. فالمواطن الذي يلجأ للطبيب باحثاً عن العافية، يصدم حين يكتشف أنه تحول إلى “رقم معاملة” في فاتورة مشتركة.
إن محاربة هذا “التحالف الهجين” تتطلب أكثر من مجرد التنديد؛ هي معركة وعي تبدأ من المريض الذي يجب أن يدرك حريته الكاملة في اختيار وجهته العلاجية، وتنتهي بوضع قوانين تجرم “التوجيه النفعي” وتفرض شفافية كاملة في المسار العلاجي.
الطب رسالة، والصيدلة أمانة، والمختبر عين الحقيقة.. فمتى يستعيد هذا المثلث توازنه الأخلاقي بعيداً عن بريق الدرهم؟