“شارع النصر” بالرباط.. يرتدي ألوان “الكان” الزاهية إنها أكثر من كرة قدم
#المحور24
الرباط | حين تمتزج رائحة البن المغربي الأصيل بهتافات عشاق “المستديرة”، ويتحول الإسفلت الجامد إلى لوحة فسيحة من التراث الإفريقي، فاعلم أنك في “شارع النصر”. هنا، في قلب العاصمة الرباط، لم يعد الشارع مجرد شريان للمرور، بل تحول إلى “قرية إفريقية” نابضة، تختزل في أروقتها صخب القارة السمراء ودفء الضيافة المغربية، مواكبةً للعرس القاري الذي تحتضنه المملكة.
لم يعد “النصر” ذاك المحور التقليدي الذي يربط أوصال المدينة؛ لقد استحال اليوم وجهةً مفضلة للعائلات والسياح. أروقة متراصة بانتظام، تتداخل فيها الألوان الزاهية والروائح العطرة، لتخلق فضاءً بصرياً يكسر رتابة اليومي، ويمنح الزوار تجربة غامرة تمزج بين حماس التشجيع الرياضي وعمق الموروث الثقافي .
خلف كل كشك في هذه القرية قصة طموح. إلهام رزوق، المنتجة الفنية التي اختارت أن تفتتح “مقهى مصغراً” وسط هذا الصخب، ترى في مبادرتها تجسيداً لحلم شخصي. تقول لـ “هسبريس” والابتسامة لا تفارق محياها: “كل ركن هنا يحمل بصمة الهوية المغربية، غايتنا أن نستقبل ضيوف المغرب بروح الفرح. مشروعي ليس تجارة فحسب، بل هو تعبير عن فخري باحتضان بلدي لهذا الحدث التاريخي”.
ولا يقتصر الأمر على النكهات، بل يمتد للمسات الفنية. فتلك الأروقة التي تفوح منها رائحة الشاي، تزينها زخارف تقليدية تعكس مهارة الصانع المغربي، مقدمةً للزائر الأجنبي والمحلي طبقاً متكاملاً من الترفيه “المعاصر” بلمسة “أصيلة”.
في جانب آخر من القرية، تجذب الألبسة التقليدية والزليج والزرابي أنظار العابرين. بالنسبة لـ سارة، المسؤولة عن رواق للصناعة التقليدية، فإن القرية هي المنصة المثالية لتقريب الموروث المغربي من الجمهور الواسع. وتؤكد في حديثها لـ “هسبريس” أن الإقبال الكبير يعكس مكانة “صنعة اليد” في قلوب المغاربة والسياح على حد سواء، حيث يتحول الرواق إلى فضاء للنقاش حول كرة القدم تارة، وعن تاريخ الزخرفة المغربية تارة أخرى.
يرى الصانع التقليدي التهامي حجاجي أن اختيار شارع النصر تحديداً كان “ضربة معلم”. ويقول بارتياح: “التواجد في هذا الفضاء الحيوي منح منتجاتنا إشعاعاً مضاعفاً. لقد تقربنا من الجمهور في أجواء احتفالية، وهذه المبادرات تفتح لنا آفاقاً اقتصادية وثقافية جديدة”. حجاجي، كغيره من المشاركين، يأمل أن تستمر هذه الحركية، لما لها من أثر جمالي وتنموي على العاصمة.
إن ما يحدث اليوم في شارع النصر هو درس في كيفية استثمار “الرياضة” لإعادة الروح للفضاءات العمومية. لقد تجاوزت كرة القدم حدود الملاعب الخضراء، لتصبح جسراً للتواصل الإنساني ومنصة لاستعراض الهوية المغربية. هي “قرية” أثبتت أن الرباط لا تكتفي باستضافة المباريات، بل تفتح قلبها وشوارعها للاحتفاء بإفريقيا، في لوحة وطنية عنوانها: الرياضة ثقافة، والضيافة فن.