فن الهيت: ذاكرة جماعية وهوية شعبية
#المحور24
بقلم ذ.يونس كلة
فن الهيت يمثل أحد المكونات الأصيلة للذاكرة الثقافية الشعبية المغربية، حيث ارتبط تاريخياً بالقبائل العربية الهلالية والمعقلية التي استقرت بالمغرب منذ القرن الثاني عشر. وقد حملت هذه القبائل معها أنماطاً غنائية بدوية تماهت مع البيئة المغربية لتنتج شكلاً فنياً فريداً يعكس تداخل الثقافات المحلية مع الوافدة. وكلمة “الهيت” يربطها بعض الباحثين بالصيحة أو النداء الجماعي، وهو ما يتوافق مع طبيعة الأداء الغنائي الذي يتسم بالقوة والاندفاع (بنموسى، 2009).
يتميز فن الهيت بخاصيات فنية متعددة، إذ يقوم على البساطة في الإيقاع والاعتماد على آلات تقليدية مثل البندير والطعريجة، مع حضور التصفيق والحركات الجسدية التي تمنحه بعداً أدائياً جماعياً. كما يقوم على الارتجال في القول والغناء، حيث يتم التناوب بين المنشد الرئيسي والجماعة، وهو ما يعكس روح الحوار والتفاعل داخل الثقافة الشعبية (السحيمي، 2015). أما على مستوى المواضيع، فهي تتنوع بين الغزل، والحياة اليومية للفلاحين، والفرح الجماعي، وأحياناً التعبير الرمزي عن الهموم والاحتجاجات.
وظيفته الاجتماعية لم تقتصر على الترفيه، بل كان مجالاً للتواصل الجماعي والتعبير عن الذاكرة المشتركة، فقد حضر بقوة في الأعراس والمواسم والاحتفالات الجماعية باعتباره وسيلة لتمتين الروابط الاجتماعية. كما أنه شكل أرشيفاً شفوياً ساهم في حفظ قصص وأحداث متصلة بحياة القبائل المغربية في منطقة الغرب وسهل سايس، مما يجعله أحد روافد التأريخ غير المكتوب (أحمد بوزفور، 2012).
ورغم أن فن الهيت عرف تراجعاً نسبياً مع صعود أنماط موسيقية حديثة مثل الراي والموسيقى العصرية، إلا أن حضوره مازال قائماً في الفضاءات الشعبية والمناسبات الخاصة، حيث يستعاد بوصفه علامة من علامات الأصالة والهوية المحلية. وقد برزت أسماء فنية أسهمت في صيانة هذا التراث ونقله إلى الأجيال الجديدة، مثل الحاج زروال من الخميسات، فيما حاول فنانون معاصرون مثل عبد الله الداودي إدماج الهيت في أشكال موسيقية جديدة تجمع بين الأصالة والتجديد (حمزة، 2020).
من خلال هذه الخصائص، يتضح أن فن الهيت ليس مجرد غناء شعبي بسيط، بل هو تعبير عن هوية جماعية وذاكرة حية، يستمد قيمته من كونه فضاءً للتواصل والتعبير وحفظ الذاكرة الثقافية. إن الاهتمام الأكاديمي المتزايد به يعكس وعي الباحثين بضرورة إعادة الاعتبار للفنون الشعبية باعتبارها مصدراً لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية في المغرب.
المراجع
1. بنموسى، محمد (2009). الفنون الشعبية المغربية: دراسة أنثروبولوجية. الرباط: منشورات كلية الآداب.
2. السحيمي، عبد القادر (2015). الموسيقى الشعبية بالمغرب: تنوع وتعدد. الدار البيضاء: دار توبقال.
3. بوزفور، أحمد (2012). الذاكرة الشفوية والفن الشعبي. فاس: مطبعة النجاح.
4. حمزة، عبد الإله (2020). “الهيت كتراث موسيقي بين الأصالة والتجديد”. مجلة الثقافة الشعبية، العدد 15.