شعارات همشت الأولويات: الوطن ليس في المرتبة الثانية!”
#المحور24
في مشهد يتكرر كلما اندلعت أزمة خارجية أو اشتد التوتر في رقعة من رقاع العالم العربي أو الإسلامي، تخرج بعض الأصوات في المغرب، مدفوعة بحس التضامن، ترفع شعارات قومية أو دينية عابرة للحدود، مطالبة بمواقف صارمة أو احتجاجات ميدانية، وكأن قضايا الأمة تتوقف عند رد الفعل المغربي.
لا شك أن التعاطف مع قضايا الأشقاء أمر نبيل يعكس عمق الوجدان الشعبي المغربي وارتباطه بهموم أمته، لكن الأدهى من ذلك أن تتحول هذه الاحتجاجات، التي يُفترض أن تكون رمزية وداعمة، إلى سلوك يُعارض أحيانًا المصالح الوطنية العليا.
نعم، التضامن واجب، ولا أحد يشكك في صدق عواطف المغاربة تجاه المظلومين في كل مكان، لكن متى يصبح هذا التضامن مدخلًا لإضعاف الجبهة الداخلية؟ أو ذريعة لتغليب الأجندات الخارجية على الأولويات الوطنية؟ متى يتحول من تعبير إنساني إلى شعارات فضفاضة تهرب من مواجهة الواقع المغربي المليء بالتحديات الاجتماعية والاقتصادية؟
المغرب، كما هو معلوم، يواجه تحديات جمة:
بطالة متفشية – فوارق اجتماعية صارخة – أزمة تعليم وصحة ثم سؤال تنموي مؤجل. هذه ليست قضايا ثانوية، بل هي جوهر وجود الدولة واستقرار المجتمع. فحين يُرفع صوت عالٍ من أجل “قضية قومية” في الخارج، بينما يتم تجاهل صوت المواطن الذي يئن تحت وطأة الفقر والتهميش في قرية نائية أو حي شعبي، فإننا أمام خلل في ترتيب الأولويات يجب الوقوف عنده.
الأولوية يجب أن تكون دائمًا لقضايا الوطن. لا تعني هذه المقاربة الانغلاق أو الجفاء تجاه العالم، لكنها تعني ببساطة: نحن مغاربة قبل أن نكون أي شيء آخر. نحن مواطنون في حاجة إلى مدرسة تحفظ كرامة أطفالنا، ومستشفى يليق بآدميتنا، ووظيفة تحمي شبابنا من اليأس. فمن لا يمتلك قوته وكرامته لا يستطيع أن يقدم شيئًا لأي قضية خارجية، مهما كانت عادلة.
هناك أيضًا من يحاول ركوب موجة التضامن، ليس عن قناعة، بل لاستغلال العاطفة الشعبية في تصفية حسابات سياسية أو أيديولوجية، وهو سلوك يُسيء للقضية التي يُدّعى الدفاع عنها، ويُفرغها من محتواها الأخلاقي. فالتضامن الحقيقي لا يكون بالصراخ في الشوارع فقط، بل بالبناء الداخلي، بالقوة الوطنية، بالوعي، وبترتيب الأولويات لصالح الوطن والمواطن.
إننا في حاجة إلى وقفة عقلانية ومسؤولة. لا مانع من أن نتضامن مع قضايا الأمة، لكن دون أن نضع الوطن في المرتبة الثانية. فحب الوطن، وخدمته، والنضال من أجل العدالة الاجتماعية داخله، هي أرقى أشكال التضامن الإنساني، وهي ما تجعلنا فعلاً قادرين على نصرة الآخرين، لا بالشعارات، بل بالقوة والمكانة والمصداقية.
بقلم: نورالدين بوقسيم