بين طموح التنمية وفرامل الواقع: لماذا يتعثر “النموذج الصاعد” للمغرب؟
#المحور24
يقف المغرب اليوم على مشارف تحول تنموي لافت، مدفوعاً برؤية استراتيجية ومشاريع بنيوية يقودها مسؤولون يمتلكون الإرادة للنهوض بالأمة ووضعها في مصاف القوى الصاعدة كسنغافورة. غير أن هذا الطموح المشروع يرتطم بجدار من “الفرامل ” التي تبطئ عجلة التقدم وتُهدر المجهودات الوطنية، مُحوّلة الطاقة التنموية إلى استنزاف مستمر للفرص.
تتجلى الفرامل الأولى في طبقة من السياسيين الإنتهازيين الذين يتخذون من المسؤولية الحكومية والنيابية وسيلة للاصطياد في المياه العكرة وتكريس اقتصاد الريع. وتتضح هذه الظاهرة في سنّ تشريعات وقرارات تُفصّل على مقاس مصالح ضيقة، أو توجيه الدعم العمومي لقطاعات بعينها—كاستيراد المواشي وغيرها—لتستفيد منها شبكات النفوذ والوسطاء، مما يفقد الدولة بوصلة الدعم الاجتماعي ويستنزف المال العام دون قيمة مضافة تُذكر.

ورغم ذلك نرى هؤلاء السياسيين و بدون خجل يعيدون ترشيح أنفسهم في كل مرة من أجل العودة إلى مراكز القرار مرة تلو أخرى من أجل إعادة تكرار التجربة الفاشلة .
لا تتوقف هذه العرقلة عند المركز، بل تمتد إلى المجالس الجماعية والجهوية التي تشكل الفرامل الثانية. هنا تتحول دفاتر التحملات إلى مجرد شكليات، والصفقات العمومية إلى تجارة تُطبخ على المقاس مقابل عمولات ورشاوى. إن تواطؤ بعض رؤساء الجماعات و الجهات وغضّ الطرف عن الاختلالات البنيوية ليس مجرد تقصير إداري، بل هو نتاج مباشر لمنطق “دهن السير يسير”؛ و يخشى الفاسدون فتح الملفات والرقابة لئلا ينكشف أمرهم، و بهذا يضيع حق المنطقة ويضيع التطور المطلوب.
غير أن تشخيص الخلل لا يكتمل دون التوقف عند الفرامل الثالثة، والمتمثلة في سلبية شريحة من المواطنين. يتجلى هذا الانسحاب في العزوف عن المشاركة الانتخابية مما يُخلي الساحة للسياسيين الفاسدين وفي التقاعس عن تبليغ ومتابعة الشكايات. والأدهى من ذلك هو التعبير العبثي عن السخط الاجتماعي من خلال تخريب الملك العام، كتحطيم مقاعد الحدائق أو دهس المساحات الخضراء، وهو سلوك يُمثل تدميراً لمكتسبات شعبية ويُزيد الطين بلة بدل إصلاحه.
إن تجديد العهد مع التقدم الحقيقي ينبغي ألا يقتصر على المبادرات الكبرى في القمة، بل يحتاج إلى التزام شامل وقواعد متينة في القاعدة. فالتنمية عملية تكاملية يُسهم فيها كل طرف من موقعه. ولعل حجر الزاوية لحماية هذه الجهود الوطنية من الضياع هو التفعيل الصارم والحقيقي لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، مع إرساء منظومة رقابية لا تستثني أحداً، لضمان ألا تذهب أمال الأمة ومقدراتها سدى.
الله يدير تاويل ديال الخير ..