حين يزرع أرنوب اللهلوب بذور الحلم في حقول الطفولة: حين يتحد المسرح مع البراءة ويغدو الفن درسًا في الإنسانية…
#المحور24
في قاعة عروض المرحوم المصطفى البرودي بدار الطفل باب أغمات بمراكش، خطفت مسرحية “أرنوب اللهلوب” قلوب الصغار والكبار معًا، حيث تحول الخيال إلى فسحة من نور، وتماهى الفن مع البراءة في لحظة إنسانية خالدة. فرقة أيوب سمسمة، تحت إشراف الفنانة المبدعة حياة غافري، قدّمت عرضًا متكاملاً يتنفس من عمق الطفولة ويغرس القيم الكبرى برقة الحكاية وجمال الموسيقى وسحر الحركة. كتب الوليد مزوار نص المسرحية وأخرجها بإحساس عميق بالطفولة، مدعومًا بالأجواء الصوتية الساحرة التي صاغتها أنامل نزهة الجعيدي، واللوحات السينوغرافية الآسرة التي أبدعها رشيد سراج، لتتكامل عناصر العرض في تجربة سمعية وبصرية نادرة.
لم يكن “أرنوب اللهلوب” مجرد عرض للترفيه، بل بناء دقيق لوعي الأطفال، حيث لامست الرسائل التربوية شغاف قلوبهم، وغرست فيهم قيم التغذية الصحية، والأمانة، وأهمية الأرض وعمل الفلاح. وسط القصة، كانت صورة الأم حاضرة كرمز سرمدي للحنان والعطاء الصامت، بينما تألق الفنانون في أدوارهم، حيث احتضن زوهير خاشع الرحمان دور الأب الحالم، وجسّد عبد العاطي كرداح دهشة الابن المكتشف للعالم، في حين خطف جمال كنو القلوب بأدائه لدور “أرنوب اللهلوب” بخفة وظرف قلّ نظيرهما.
ضحكات الأطفال وتصفيقاتهم العفوية غمرت القاعة كالنهر الجارف، لتكون الشاهد الأصدق على نجاح العرض في ملامسة أرواحهم وإشعال شرارات الفرح في أعماقهم. أولئك الأطفال الذين ربما خبروا قسوة الحياة مبكرًا، وجدوا في هذا العرض حضنًا يعيد إليهم حقهم الطبيعي في الدهشة والأمل. ولم يكن وقع المسرحية محصورًا في الأطفال فقط، بل امتد إلى الأطر التربوية والمشرفين الذين لمسوا كيف يمكن لفن المسرح أن يتحول إلى درس حي في بناء الإنسان، درس يوقظ الطاقات، ويعيد صياغة الأمل.
“أرنوب اللهلوب” كان أكثر من عرض مسرحي، كان صلاة خفية في مسرح الكون، ترمم أرواحًا صغيرة وتزرع في حقولها قمح الحلم وزهر القيم. بهذا الإبداع المسؤول، يثبت الفن مرة أخرى أنه حين يُقدم للطفولة بصدق ورقي، يصبح رسالة حب متجددة بأن الحياة، رغم كل شيء، تستحق أن تُعاش بفرح وإيمان.