إعادة النظر في تنظيم المواسم التراثية: بين الحفاظ على الهوية وتحديات التنمية
إعادة النظر في تنظيم المواسم التراثية: بين الحفاظ على الهوية وتحديات التنمية
بقلم: يونس.ك
في خضم ما تعرفه بلادنا من أزمات اجتماعية واقتصادية متفاقمة، تطرح بعض الممارسات المرتبطة بتدبير الشأن الثقافي أكثر من علامة استفهام، وعلى رأسها تنظيم المواسم التراثية، التي رغم رمزيتها التاريخية وقيمتها الثقافية، باتت اليوم في حاجة ماسة إلى إعادة نظر شاملة وجريئة.
فمن غير المعقول أن تستمر الجماعات والمؤسسات في صرف مبالغ ضخمة على هذه التظاهرات، في غياب معايير واضحة للحكامة والتقييم، بينما تتعالى أصوات المواطنين المطالِبة بتوفير فرص الشغل، وتعزيز البنية التحتية الصحية، وتحسين جودة التعليم. لقد آن الأوان لتجاوز منطق العشوائية والتبذير، نحو مقاربة عقلانية تضع مصلحة المواطن في صلب أولوياتها.
إن الدفاع عن التراث لا ينبغي أن يكون مبررًا لإهدار المال العام، بل يجب أن يتم ضمن إطار تنموي متكامل، يُثمِّن الموروث ويحوّله إلى رافعة اقتصادية وسياحية حقيقية، تخلق الثروة وتوفر فرص الشغل، خصوصًا في المناطق التي تُنظَّم فيها هذه المواسم. غير أن ما نلاحظه في عدد كبير من هذه التظاهرات، هو ضعف في التخطيط وغياب للمردودية، بل وتحول بعضها إلى فضاءات للريع والزبونية.
ولكي يكون الاستثمار في الثقافة ذا جدوى، يجب إخضاع تنظيم المواسم لمعايير شفافة، وتقييم دقيق للعائد الاقتصادي والاجتماعي، مع تشجيع الشراكات بين الجماعات الترابية والقطاع الخاص، بما يضمن ديمومة هذه الأنشطة دون أن تكون عبئًا على الميزانيات المحلية.
في الأخير، إن الحفاظ على الهوية الثقافية أمر لا غبار عليه، لكنه لا يمكن أن يتم في معزل عن حاجات المجتمع وتطلعاته، ولا على حساب قضاياه الملحة. فالوعي بأولويات المرحلة، والجرأة في اتخاذ القرارات، هما السبيل لضمان التوازن بين الماضي والمستقبل، بين التراث والتنمية.