حين يفقد الفضاء العام هيبته، ظواهر مقلقة تستدعي وقفة تأمل…

Oplus_131072
0

#المحور24 …. (ي.ك)

في الآونة الأخيرة، بات من المألوف للأسف أن نُصادف في فضاءاتنا العامة مظاهر العربدة وتعاطي المخدرات بشكل علني، في مشاهد تثير الغضب وتدعو للتساؤل العميق حول ما وصل إليه المجتمع المغربي من تحولات مقلقة. فبين أزقة الأحياء الشعبية، وفي الحدائق التي كانت ملاذًا للراحة، وحتى أمام المدارس والمساجد، تتكرر هذه السلوكات بشكل علني، كأنها تحولت إلى طقس اعتيادي يختبر صبر المجتمع ويقوض هيبته.

ليست هذه الظاهرة وليدة اليوم، لكنها في الآونة الأخيرة عرفت تصاعدًا مقلقًا، سواء من حيث عدد الحالات أو من حيث مستوى الجرأة في التحدي، حيث أصبح الشاب أو المراهق يتعاطى القرقوبي أو الحشيش علنًا، دون خوف من القانون أو خجل من المارة. هذا المشهد لا يمكن قراءته فقط كسلوك فردي منحرف، بل يجب فهمه في سياق اجتماعي أوسع، تُسهم فيه عوامل متعددة: من التفكك الأسري وغياب الرقابة، إلى الفقر والبطالة، مرورًا بإحساس شرائح من الشباب بالتهميش وغياب الأمل.

هذه السلوكات ما كانت لتستفحل لولا وجود هشاشة على مستوى السياسات العمومية في مجالات التربية، الترفيه، والإدماج. كثير من الشباب اليوم يشعرون بأنهم غير مرئيين، وبأن صوتهم غير مسموع، فيلجؤون إلى المخدرات كوسيلة للهروب، أو للتمرد، أو حتى فقط لملء الفراغ القاتل الذي يعيشونه. أما عن البيئة التي تحتضن هذه التصرفات، فهي في الغالب بيئة فقيرة من حيث البنية التحتية، والتأطير الثقافي، والفرص البديلة.

الأخطر من كل هذا أن الظاهرة لم تعد فقط مسألة شخصية، بل صارت تمس الأمن الجماعي، حيث ترتبط حالات العربدة غالبًا بالاعتداءات، السرقة، والتهديد بالسلاح الأبيض، ما يجعل السكان يشعرون بأنهم يعيشون تحت رحمة المنحرفين في غياب الحماية الفعلية. الفضاء العمومي الذي من المفترض أن يكون ملكًا للجميع، تحوّل في كثير من الأحيان إلى بؤر للفوضى.

غير أن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الأجهزة الأمنية، وإن كانت مطالبة بتكثيف تدخلاتها وفق مقاربة ذكية وفعالة، بل تتوزع أيضًا على الأسرة، المدرسة، والمجتمع المدني. نحن بحاجة إلى بناء منظومة متكاملة تحمي الشباب قبل أن تردعهم، وتمنحهم بدائل حقيقية قبل أن تدينهم. لا يمكن اختزال الحل في الاعتقال أو الزجر، بل لا بد من إعادة الاعتبار للتأهيل، للتكوين، وللأنشطة الثقافية والرياضية التي تُعيد ربط الشاب بذاته وبمحيطه.

إن تنامي ظاهرة العربدة والتعاطي العلني للمخدرات في المغرب ليس فقط تعبيرًا عن أزمة سلوكية، بل هو مرآة تعكس خللًا عميقًا في المنظومة القيمية والاجتماعية. إنها جرس إنذار لا يجب تجاهله، لأن المجتمع الذي يسمح بتحول الفضاء العمومي إلى مسرح للانهيار، هو مجتمع يعرض نفسه للهشاشة والانفلات. وحدها المقاربة الجماعية، المتكاملة، التي توحد جهود الدولة، الأسرة، والمؤسسات التربوية والثقافية، قادرة على إعادة التوازن وفتح أفق الأمل أمام شباب ضائع في زوايا الإهمال.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.