​شريان الأطلسي يرى النور: أنبوب الغاز المغربي-النيجيري خلفه تحالف قاري غير مسبوق

0

#المحور 24
​في خطوة تاريخية حاسمة تصوغ الملامح الجديدة لخريطة الطاقة الإفريقية، تخطى مشروع خط أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي بين المغرب ونيجيريا مرحلة “الدبلوماسية والرؤى السياسية” ليدخل رسمياً فلك “التنفيذ المؤسساتي وبناء الواقع”. وقد احتضنت العاصمة السيراليونية، فريتاون، مراسم توقيع الاتفاقية البين-حكومية، لتعلن بذلك التفاف القارة السمراء خلف أضخم ورش تنموي عابر للحدود، وتكرّس المكانة القيادية للمملكة المغربية كمهندس لقطار التكامل الاقتصادي في غرب إفريقيا.
​هذا التحول الاستراتيجي لم يكن وليد الصدفة، بل هو الثمرة الناضجة للرؤية الثاقبة التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والاتفاق التاريخي مع الرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري خلال الزيارة الملكية إلى أبوجا عام 2016. واليوم، يتأكد عمق هذا الالتزام مع مواصلة الرئيس النيجيري الحالي، بولا أحمد تينوبو، السير على ذات الدرب، مما يعكس إجماعاً سياسياً راسخاً بين الرباط وأبوجا لإخراج هذا الحلم الطاقي العملاق إلى الوجود.
​وعلى امتداد العقد الماضي، قاد مكتبا الطاقة في البلدين (المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن والشركة الوطنية النيجيرية للبترول) شراكة تقنية فريدة اتسمت بالوضوح والنزاهة والتدرج المدروس، مما أكسب المشروع ثقة دولية وإقليمية متنامية.
​تتجاوز محطة فريتاون أبعادها القانونية لتكتسي دلالة سياسية بالغة الأهمية؛ إذ تمثل الانخراط الرسمي الأول لدول المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا (سيدياو) في الإطار التنظيمي للمشروع. هذا التبني الجماعي ينقل الأنبوب من صيغته الثنائية (الرباط – أبوجا) إلى مشروع قاري شامل تحيطه المنطقة برعايتها.
​”رغم أن المغرب ليس عضواً في مجموعة (سيدياو)، إلا أن قيادته ورعايته لهذا الورش تعكسان القبول الواسع والدور المحوري للمملكة كقائد موثوق لمشاريع التنمية العابرة للقارات.”
​تُمهد اتفاقية سيراليون الطريق نحو القمة المفصلية المرتقبة في المملكة المغربية الخريف المقبل، والتي ستشهد:
​تأسيس شركة إدارة خط أنبوب الغاز، والتي تقرر أن يكون مقرها بالمغرب لتتولى المهام المالية والتشغيلية.
​حضور رفيع المستوى يتقدمه جلالة الملك محمد السادس، والرئيس النيجيري بولا تينوبو، والرئيس الموريتاني، في رسالة سياسية شديدة الوضوح تعلن بدء البناء الفعلي.
​إن اختيار المغرب مقراً للشركة المسيرة يجسد الثقة الإفريقية في مؤهلات المملكة اللوجستية والمالية، ويعزز دورها كمنصة محورية لربط إفريقيا بالأسواق الأوروبية عبر الفضاء الأطلسي.
​لا يمكن اختزال هذا المشروع في كونه مجرد أنبوب لنقل الوقود؛ بل هو رافعة جيو-اقتصادية تهدف إلى إعادة صياغة مفهوم التنمية في غرب إفريقيا عبر:
​الأمن الطاقي والتصنيع: توفير مصادر طاقة مستدامة للدول التي تعاني من ضعف الإمدادات، مما يحفز الاستثمارات ويخلق آلاف فرص الشغل.
​شراكة جنوب-جنوب: تقديم نموذج يحتذى به في التعاون المبني على التكامل والمصالح المشتركة بدلاً من التنافس الضيق.
​التحول الجيوسياسي: في ظل بحث أوروبا عن مصادر طاقة آمنة وبديلة، يمنح المشروع إفريقيا منفذاً استراتيجياً نحو الأسواق الشمالية، لتكون المملكة هي البوابة الطبيعية لهذا العبور الطاقي الكبير.
​ينصهر هذا الورش الطاقي في التوجه الأطلسي الاستراتيجي الذي يقوده العاهل المغربي، والرامي إلى تحويل الواجهة البحرية للمملكة إلى فضاء للسلام، والتعاون، والربط الحيوي بين القارات الثلاث (إفريقيا، أوروبا، والأمريكتين). ومع تسارع خطوات التنفيذ، يثبت “أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي” أن السيادة الطاقية والازدهار المشترك لشباب القارة لم يعودا مجرد وعود، بل واقعاً ينطلق بثبات من المغرب ليضيء عمق إفريقيا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.