قراءة عقلانية في نكسة المونديال وخيبة الخروج من الربع
#المحور24
في غمرة الجدل المتصاعد والانتقادات الحادة التي طالت المنتخب الوطني المغربي إثر مغادرته منافسات المونديال من دور ربع النهائي أمام فرنسا، يغيب عن أذهان الكثيرين —أو لعلهم يتناسون— أن أمماً كروية عريقة، مرصعة بالألقاب والتاريخ والأساطير، حزمت حقائبها باكراً من دور المجموعات (الـ 32)، دون أن تشهد بلدانها هذا السخط العارم ورد الفعل العنيف الذي نعيشه اليوم في المغرب؛ بلدٌ لا يتعدى سقف إنجازاته التاريخية المربع الذهبي عالمياً، ولقبين قاريين لا يزال أحدهما معلقاً بانتظار كلمة الفصل من محكمة التحكيم الرياضي (طاس).
لنأخذ ألمانيا نموذجاً؛ تلك القوة الكروية التي تجرعت مرارة الخروج المبكر والمذل، ونضع رد فعل رأيها العام “البارد” في كفة ميزان المقارنة مع رد الفعل المغربي “الساخن حد الغليان”. فما الذي يفسر هذا التباين الصارخ من منظور سوسيولوجي وفلسفي؟ ولماذا يبدو أن منطق الأشياء يفترض العكس تماماً؟
1. المنتخب كـ “استعارة وجودية” للوطن
في المغرب، لا يتعامل الجمهور مع المنتخب الوطني كأحد عشر لاعباً يركضون خلف جلّدة منفوخة، بل يرون فيه “المحرك الأساسي للهوية الوطنية”، والمنفذ الشحيح للشعور بالندية والانتصار في عالمٍ يضعنا سياقه العام غالباً في موقع “المتلقي” أو “الهامشي”.
خيبة أمل كبرى: عندما يُقصى المنتخب، لا يُصنف الأمر كإخفاق رياضي عابر، بل كـ “خيبة أمل وجودية”.
عبء ثقيل: يُحمّل المواطن البسيط هؤلاء اللاعبين وزر تحقيق أحلام وتطلعات عجزت عن تحقيقها قطاعات أخرى؛ سياسية، واقتصادية، واجتماعية.
رغبة في التميز: هذا الغضب الجارف هو في عمقه صرخة جماعية ترغب في إثبات الذات وفرض الاعتراف بها أمام العالم من البوابة الوحيدة المتاحة: الرياضة.
2. النموذج الألماني: كرة القدم كصناعة وليست كهوية
على النقيض تماماً، لماذا تمر نكسات المنتخب الألماني مرور الكرام دون أن تُحدث شرخاً في السلم النفسي للمجتمع؟
السر في بنية التفكير: كرة القدم في ألمانيا هي “صناعة ترفيهية واحترافية” قبل أن تكون أداة لإثبات الهوية.
المواطن الألماني يستمد احترامه لذاته ووجوده من قوة اقتصاده، وجودة تعليمه، ومكانة بلده الصناعية والتكنولوجية؛ لذا فهو لا يحتاج إلى فوز كروي ليثبت جدارته بالحياة. الإقصاء بالنسبة له مجرد “خلل تقني” في منظومة الإنتاج الرياضي، يتطلب الإصلاح والتقييم، وليس مأساة وطنية تستدعي جلد الذات.
3. سيكولوجية التعويض وتفريغ الإحباطات
في المجتمعات التي تواجه تحديات تنموية وضغوطاً معيشية كالمغرب، يتحول المنتخب إلى “مجاز حي” للدولة برمتها:
الفوز يُترجم على أنه عبقرية مغربية قادرة على مقارعة الكبار وتجاوز المستحيل.
الخسارة تُفهم كتقصير ونكسة وخيانة للعهد الوطني.
هذا التفسير المشحون بالعاطفة يجعل النقد حاداً وقاسياً، لدرجة تبني “نظرية المؤامرة” أو اتهام المنظومة بالتقصير، كآلية دفاعية لتفريغ الإحباطات اليومية المتراكمة التي لا تجد لها متنفساً آخراً في الواقع المعيش. بينما في المجتمعات المتقدمة، تتعدد مصادر “الاعتراف بالذات” للمواطن عبر مسارات حياتية شتى، مما يحجم أهمية الخسارة الرياضية ويجعلها مجرد حدث عابر في دورة الحياة الطبيعية.
4. فلسفة التواصل: “الفضاء العام البديل”
من منظور فلسفة التواصل والجرأة النقدية، يمكننا تفكيك هذا السخط الجماهيري بصفته “فضاءً عمومياً بديلاً”.
بما أن قنوات المساءلة السياسية والاجتماعية التقليدية قد تبدو للبعض معقدة، أو مغلقة، أو غير مجدية، فإن منصات النقاش الكروي تتحول إلى ملاذ آمن، سهل ومتاح يمارس من خلاله المواطن حقه الطبيعي في الاحتجاج والتعبير. إنه “تنفيس صحي” مشوه عن كبت اقتصادي واجتماعي مخزّن طوال العام.
بالمقابل، يمتلك المواطن الألماني قنوات مؤسساتية متجذرة وفعالة للمساءلة والاحتجاج السياسي والاجتماعي، مما يغنيه عن تحويل نكسة كروية إلى قضية رأي عام وجودية تحتكر نقاشات المجتمع لأسابيع طويلة.