آفاق المستقبل للشراكة الاستراتيجية المرتقبة بين الرباط وباريس

0

#المحور24
​تستعد الرباط وباريس، لكتابة فصل جديد وغير مسبوق في كتاب العلاقات الدولية. فبعد عقود من التجاذبات الدبلوماسية والتحولات الجيوسياسية، يبدو أن البلدين على أعتاب توقيع اتفاقية استراتيجية شاملة توصف بـ “التاريخية”، تؤسس لتحالف متين يمتد لثلاثة عقود قادمة.
​تأتي هذه الخطوة كترجمة عملية للموقف الفرنسي التاريخي والأخير المتمثل في الاعتراف الرسمي بسيادة المغرب على صحرائه، ومن المرتقب أن يتم إضفاء الطابع الرسمي على هذا العهد الجديد خلال الزيارة الملكية المرتقبة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى باريس.
​لا تمثل الاتفاقية المنتظرة مجرد تفاهمات عابرة أو بروتوكولات دبلوماسية كلاسيكية، بل هي خارطة طريق ممتدة لـ 30 سنة تغطي مجالات حيوية تتجاوز الاقتصاد والاستثمار التقليدي لتصل إلى عمق التعاون الأمني، والثقافي، والعلمي.
​ولعل أكثر النقاط إثارة للاهتمام والجرأة في هذا الاتفاق، هو القرار المشترك بـفتح الأرشيفات المتعلقة بفترة الاستعمار، بما يشمل الوثائق والخرائط الحساسة الخاصة بالحدود الشرقية للمملكة. وهي خطوة تعكس رغبة حقيقية من الطرفين في تصفية إرث الماضي بروح من الشفافية والمسؤولية المشتركة.
​لإدراك القيمة الحقيقية لهذا التحول الكبير، يمكن تفكيك هذا الاتفاق إلى ثلاثة أبعاد أساسية:
​1. البعد السيادي والجيوسياسي: إنهاء التردد بالاعتراف الحاسم
​شكل الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء نقطة التحول المحورية (Turning Point) التي سمحت بمرور العلاقات من مرحلة “إدارة الأزمات الصامتة” إلى مرحلة “البناء الاستراتيجي”.
يمنح هذا الموقف المغرب دعماً قوياً داخل مجلس الأمن الدولي ويعزز من موقفه التفاوضي دولياً، في حين تستعيد فرنسا شريكاً موثوقاً وبوابة رئيسية نحو عمق القارة الإفريقية.
​2. معالجة الذاكرة: مشرط “الأرشيف” لتفكيك عقد الماضي
​لطالما كان ملف التاريخ والحدود الشرقية بمثابة “صندوق أسود” يثير الكثير من الحساسيات السياسية في المنطقة المغاربية.
إقدام باريس على فتح أرشيف الفترة الاستعمارية، وخاصة الوثائق المتعلقة بالحدود الشرقية، ليس مجرد لفتة رمزية، بل هو إجراء قانوني وتاريخي حاسم.
هذا الإجراء سيسلط الضوء على الحقائق التاريخية والخرائط الموثقة، مما يمنح الدبلوماسية المغربية حججاً أرشيفية دامغة تعزز حقوقها التاريخية والترابية، ويؤسس في الوقت نفسه لثقة متبادلة ومبنية على الصراحة الكاملة مع الجانب الفرنسي.
​3. أفق الثلاثين سنة: التحالف الذي يتجاوز الحكومات
​رسم خارطة طريق لـ 30 سنة يعني أن البلدين قررا إخراج علاقاتهما الثنائية من دائرة “التقلبات السياسية الآنية” أو التغييرات الحكومية المحتملة في باريس أو الرباط.
​يوفر هذا المدى الزمني الطويل بيئة استثمارية آمنة ومستقرة للشركات الفرنسية والمغربية، خاصة في قطاعات المستقبل مثل الطاقة المتجددة (الهيدروجين الأخضر)، البنية التحتية، وتكنولوجيا القطارات فائقة السرعة.
إن القمة المرتقبة بين الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي لن تكون مجرد لقاء بروتوكولي، بل هي تدشين لـ “عقد اجتماعي وسياسي جديد” بين ضفتي المتوسط. عقدٌ يتصالح فيه البلدان مع التاريخ عبر بوابة الأرشيف، وينطلقان فيه نحو المستقبل محصنين باعتراف سيادي واضح وشراكة اقتصادية غير مسبوقة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.