ظاهرة مصطفى الخصم: عندما يثبت المواطن أن قطيعته كانت مع الفساد… لا مع السياسة
#المحور24
لطالما انكب المحللون والمهتمون بالمشهد السياسي على توصيف حالة الشارع بـ “العزوف السياسي”، محملين المواطن مسؤولية الابتعاد عن صناديق الاقتراع والهجران التدريجي للشأن العام. غير أن البروز اللافت لمصطفى الخصم كظاهرة سياسية فريدة، تباشر عملها بجرأة ونزاهة في العلن كما في الخفاء، جاء ليقلب هذه المفاهيم، ويؤكد عبر نتائج ملموسة على أرض الواقع أن قطيعة المواطن لم تكن يوماً مع الفاعلية السياسية بحد ذاتها، بل مع الفساد والممارسات التي أفرغت العمل السياسي من محتواه.
لقد جرب المواطن معظم الوجوه والفاعلين الحزبيين على الساحة، وتيقن عبر التجارب المتراكمة أن الغالبية العظمى من الممارسين يخوضون غمار المشهد بعقلية الصراعات الضيقة والتجاذبات غير النافعة، في واقع بات فيه الفاعلون أنفسهم يتبادلون التهم بالتلاعب والالتواء. هذا الشعور الانسدادي هو ما دفع الفرد سابقاً إلى اتخاذ موقف الامتناع، لا زاهداً في المشاركة، بل رفضاً للانخراط في “لعبة” معروفة النتائج سلفاً ولا تنتج سوى خيبات أمل متكررة.
ولكن، وما إن أطلت بارقة أمل من خلال نموذج تدبيري مختلف يقوده رئيس جماعة إيموزار كندر بعقلية ميدانية وشفافية مباشرة حتى انقشعت سحابة التردد. شهدت التجمعات واللقاءات التي يؤطرها الخصم إقبالاً مكثفاً، وتوالت التصريحات الشعبية الداعمة لهذه الشخصية الكاريزمية.
لقد أثبت الميدان أن الشارع التواق للإنجاز الإيجابي يستجيب سريعاً ومتى ما توفرت الإرادة الصادقة والنتائج الحقيقية، يسقط وهم “العزوف الذاتي”.
فما أبعاد “ظاهرة الخصم” ودلالات إعادة تشكيل الوعي الانتخابي؟
تتجاوز التجربة الحالية مجرد البروز الإعلامي لشخصية قادمة من عالم الرياضة إلى التسيير المحلي، لتشكل عينة دالة على تحولات عميقة في سلوك الناخب المغربي:
-؛العزوف كـ “مقاطعة عقلانية” وليس جهلاً سياسياً: أثبت التفاعل الشعبي مع تجربة الخصم أن السلوك الانتخابي السابق لم يكن ناتجاً عن غياب الوعي، بل كان “عقاباً سياسياً” ومقاطعة واعية لنمط تدبيري فاشل. فالجمهور لم يتقاعس عن ممارسة حقه، بل رفض منح الشرعية لعملية لا يرى فيها أثراً تنموياً.
– الانتقال من “شرعية الشعار” إلى “شرعية الإنجاز”: يعكس الالتفاف حول الخصم تحولاً في معايير التقييم لدى المواطن؛ إذ لم تعد الخطابات الحزبية النمطية كافية لكسب الثقة، بل أصبحت المكتسبات الميدانية والجرأة في مواجهة المكاسب غير المشروعة هي المعيار الأساسي للشرعية.
– رمزية الفاعل من خارج “المجال التقليدي”: تعكس كاريزما الخصم حاجة الشارع إلى بروفايلات تتمايز عن النخب التقليدية، حيث يرى فيه المواطن شخصاً غير مرتهن للحسابات الحزبية الضيقة، مما جعل تجربة إيموزار كندر بمثابة مختبر لإعادة بناء الثقة بين الساكنة والمؤسسة المنتخبة.
إن المواطن لم يقطع يوماً مع السياسة بصفتها أداة لإدارة الشأن العام وتحسين ظروف العيش، بل قطع مع “الفساد السياسي”. ومتى ما وُجد الفاعل الذي يقرن القول بالعمل وينزل إلى الميدان بنزاهة، فإن الشارع يعيد ترتيب خياراته ويترجم دعمه ميدانياً وسياسياً.