براغماتية الكوفيين المقدسة : كيف يمنح الشارع الكوفي لتركيا ما يحرمه على حكوماته؟

0

#المحور24
​يقدم المشهد السياسي والإعلامي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نموذجاً فريداً من الانفصام الفكري بدعم جزائري سخي ؛ نموذج يستدعي التحليل العميق للطريقة التي يُقيّم بها العقل المجتمعي العربي التناقضات الصارخة في سياسات القيادة التركية، مقارنة بالموقف الصارم والمحاسبة الحادة التي يُواجه بها أي تحرك مماثل من الحكومات المحلية.
​عند تفكيك أركان النموذج السياسي والتنموي التركي بعيداً عن العاطفة، تبرز مجموعة من الوقائع والمؤشرات الصريحة:
– ​ استضافة قواعد عسكرية تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) على الأراضي التركية، والالتزام الكامل بالالتزامات الأمنية للتحالف الغربي.
– ​الحفاظ على مستويات تبادل تجاري بمليارات الدولارات مع إسرائيل، إلى جانب شراكات وتقنيات متقدمة في مجالات متعددة.
-؛ إعادة رسم السياسات الخارجية وتغيير التحالفات وتكييف الملفات الشائكة (كالملف السوري وضبط الحدود البحرية والبرية) وفقاً لمنطق المصلحة الوطنية المباشرة.
– إدارة الدولة عبر منظومة قوانين علمانية صريحة تُقر الحريات الفردية وتنظم قطاعات السياحة والخدمات وفق النمط الغربي.
​تكمن المفارقة الكبرى ليس في ممارسة أنقرة لسياساتها السيادية—فمن حق كل دولة البحث عن مصالحها العليا—بل في رد فعل الجمهور الإقليمي.
يُبرر الشارع هذه التناقضات بوصفها “دهاءً سياسياً” و”تكتيكاً مرحلياً فرضته الظروف”، بينما يُصنّف السلوك المماثل من الحكومات العربية في خانة التنازل أو ضعف الإرادة.
​يعود هذا التباين إلى عدة عوامل تحليلية:
1).​إتقان التسويق الرمزي: القدرة العالية على الفصل بين الخطاب العاطفي الموجه للخارج، وبين القرارات التنفيذية التي تُدار بمشرط الواقعية السياسية (Realpolitik).
2) ​الفراغ القيادي والتعويض النفسي: إسقاط الشعوب لآمالها وتطلعاتها على نموذج خارجي يمتلك القوة والكاريزما، مما يخلق بيئة تُبرر كل أخطائه وتغفر كل تناقضاته.
3) ​ازدواجية معايير التقييم: التعامل مع الدولة التركية كـ “دولة عظيمة تُناور”، بينما يُنظر للدول الوطنية عبر منظومة أخلاقية جامدة لا تراعي إكراهات الجغرافيا والتاريخ.
​إن النجاح الحقيقي للنموذج التركي في الوجدان الجمعي لا يعتمد فقط على الإنجازات الاقتصادية أو العسكرية، بل على امتلاك “مدرسة في التسويق السياسي” استطاعت تحويل أعتى صور الواقعية السياسية والمناورات البراغماتية إلى قرارات تحظى بالدعم والقبول لدى مئات الملايين.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.