هل ستعيد الإنتخابات “الوجوه القديمة” الذين رقصوا على أطلال التنمية المستدامة

0

#المحور 24
​لم تعد المسألة مجرد عبث سياسي، بل أضحت تجلياً صريحاً لظاهرة “التكرار الانتخابي”. نفس الوجوه التي أثبتت التجربة عقم حلولها، والوجوه ذاتها التي أديرت في عهدها مقاليد أزمات اجتماعية وطنية حادة تعود اليوم بوقاحة سياسية مكتملة الأركان لتتصدر واجهة الاستحقاقات القادمة، وكأن ذاكرة الوطن ثقب أسود يبتلع الخيبات بلا أثر!
​في الأعراف الديمقراطية الحية، تشكل الهزات الاجتماعية والسياسية الفارقة نقطة مراجعة ذاتية حاسمة، وتستوجب تحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية التي تنتهي غالباً بالتنحي أو التواري خجلاً عن المشهد. غير أن الطبقة السياسية لدينا يبدو أنها طوّرت مناعة نادرة ضد “الحياء السياسي”؛ وبدلاً من أن تدفعهم المأساة إلى تقديم إجابات شجاعة وحقيقية للشارع، اختاروا ممارسة أدوارهم المعتادة بصلابة وجه يُحسدون عليها، متجاهلين أن صدمة الشارع كانت من العمق بحيث لا تُدمَل بوعود جديدة.
​بينما كان الشارع المغربي ينتظر تعاطياً رزيناً ومواقف تحترم حجم الألم الوطني وتواسي العائلات المكلومة، فُجع الجميع ببعض الفاعلين وهم يمارسون الفلكلور السياسي، ويرقصون على إيقاعات لا تراعي مشاعر أحد. وفي الجانب الآخر، انهمكت قيادات حزبية في إدارة “ميركاتو استبقائي” للبحث عن كائنات انتخابية وتلميع صفوفها، في صراع محموم على المقاعد والمناصب دون أدنى التفات لجذور الأزمة العميقة.
​وتكتمل هذه السريالية في أبشع صورها، حين يختار أحد أبرز رموز هذه المرحلة الاستمتاع بعطلة في الشواطئ الأوروبية، بينما كانت دماء الأزمة لم تجف بعد، وجثامين ضحايا الحلم المفقود لا تزال عالقة في عرض البحر. إنه تجسيد صارخ ومستفز لفجوة طالما حذر منها الكثيرون: مواطنون يغرقون بحثاً عن كرامة ومخرج، وسياسيون يحلّقون بحثاً عن استجمام وموقع!
​إن الاستهانة بالذكاء الجماعي للمواطنين هي الخطيئة الأكبر في هذا المشهد. فالمغاربة الذين عايشوا مرارة الفشل واقعاً ملموساً لم يعودوا زبائن مفترضين لخطابات معلوكة ووعود مستهلكة تخرج من أفواه ذات الشخصيات التي صنعت الأزمة أو غذّتها.

​ليست المأساة في الفشل وحده، فالخطأ السيادي وارد في كل التجارب، وإنما المأساة الحقيقية تكمن في إعادة تدوير الفشل وتقديمه للمواطن في طبق جديد، مطالبين إياه بمنح الثقة لمن أهدرها بالأمس.
​فهل تستوعب الأحزاب السياسيّة أن استعادة الثقة تبدأ أولاً بجرأة التنحي وتجديد الدماء، أم أن المشهد يسير بخطى ثابتة نحو إنتاج نفس الأزمة بوجوهها المجهدة؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.