ملاحظات أولية حول قرار المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها.

Oplus_16908288
0

#المحور24

بقلم : الأستاذ مهدي أبوالكلام، محام بهيئة المحامين بمراكش، دكتور في الحقوق، الكاتب العام لاتحاد المحامين الشباب بمراكش

أثار القرار الصادر عن المحكمة الدستورية رقــم 26/277 في الملف عدد 26/317 بتاريخ 10/08/2026 القاضي “بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها؛” ردود فعل وقراءات سياسية وقانونية متباينة لكونه لم يحسم النزاع كما كان منتظرا، بل اكتفى بالوقوف عند الشكل بعد استنفاذ أجل البت كاملا طيلة مدة 32 يوما، وهو ما يفرض إبداء ملاحظات أولية إسهاما وتفاعلا مع هذا النقاش الذي يعالج إشكالات عملية لبعض القضايا المعروضة على أنظار المحكمة الدستورية.

 

فما هي الملاحظات الشكلية والموضوعية الواجب إثارتها حول قرار المحكمة الدستورية بشأن دستورية القانون المنظم لمهنة المحاماة؟

 

أولا: السياق العام:

 

يتسم السياق العام لسن قانون جديد لتنظيم مهنة المحاماة بالمغرب يحل محل القانون الحالي لسنة 2008 بتضارب الآراء والخلاف الذي وصل حد الصراع بين وزارة العدل التي تبرر سن قانون جديد لتنظيم مهنة المحاماة بالرغبة في إصلاح القطاع كما هو ملاحظ من دفاعها عنه بالبرلمان والجلسات الحوارية والندوات التي سبق انعقادها في الموضوع -مع تسجيل ملاحظة أساسية مفادها أن مشروع القانون رقم 66.23 جاء خاليا من ديباجة واضحة وصريحة تبين أسباب النزول رغم أهميتها- وبين جمعية هيئات المحامين بالمغرب التي ترى في هذا النص الجديد محاولة للحد من الأدوار الأساسية للدفاع في منظومة العدالة بالإضافة إلى المس بأهم ما تقوم عليه هذه الرسالة النبيلة وهي الاستقلالية والتنظيم الذاتي وحصانة الدفاع، لتخلص في الأخير إلى أن الأزمة أزمة منهج لا يمكن تداركها بالتعديل وإنما بالسحب الكلي لهذا النص لكون فلسفته وبنيته العامة مختلة ولا تراعي مصلحة المخاطبين به ولا تحترم مبادئ الديمقراطية التشاركية حسب المعلن عنه في وقفة تحصين المكتسبات أمام البرلمان يوم 29/06/2026 وبلاغات مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب.

 

وبغية حسم هذا الخلاف، أمام استمرار إضراب المحامين الشامل عن أداء مهام الدفاع، تمت إحالة مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة على المحكمة الدستورية للبت في مطابقته للدستور برسالة من رئيس مجلس النواب سجلت لدى الأمانة العامة للمحكمة الدستورية بتاريخ 08 يوليوز 2026، فصدر على إثرها القرار المذكور والذي بعد الاطلاع عليه لا بد من إثارة الملاحظات التالية.

 

ثانيا: طول أجل البت:

 

بالرجوع لقرار المحكمة الدستورية المذكور يتبين أن رسالة الإحالة المقدمة من قبل رئيس مجلس النواب سجلت بالأمانة العامة للمحكمة الدستورية بتاريخ 08/07/2026 بينما قرارها صدر بتاريخ 10/08/2026 أي أنه استغرق مدة 32 يوما ليصدر بما قضى به في منطوقه، فهل يكون بهذا قد صدر داخل الأجل القانوني أم خارجه علما أن المشرع المغربي لم يرتب أي جزاء عن صدور قرارات المحكمة الدستورية خارج الأجل؟

 

للجواب عن هذا السؤال لا بد من استحضار أجل البت والذي لم يكن المشرع موفقا بشأنه بحيث سوى ولم يميز بين أجل الشهر المنصوص عليه في الفصل 132 من الدستور وأجل الثلاثين يوما المنصوص عليه في المادة 26 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية، فالفصل 132 في فقرته الرابعة ينص على أنه: “تبت المحكمة الدستورية في الحالات المنصوص عليھا في الفقرتين الثانية والثالثة من ھذا الفصل، داخل أجل شھر من تاريخ الإحالة. غير أن ھذا الأجل يخفض في حالة الاستعجال إلى ثمانية أيام، بطلب من الحكومة”. بينما المادة 26 من القانون التنظيمي تتحدث عن ثلاثين يوما إذ جاء في فقرتها الأولى أنه: “تبت المحكمة الدستورية في مطابقة القوانين التنظيمية والقوانين والأنظمة الداخلية للمجالس والالتزامات الدولية للدستور داخل أجل ثلاثين يوما (30) يحتسب ابتداء من تاريخ إحالتها إليها أو في غضون (8) ثمانية أيام في حالة الاستعجال، بطلب من الحكومة”، ومعلوم قانونا أن الفرق بين الشهر والثلاثين يوما بين، فالشهر قد يتضمن 30 يوما وقد يتضمن 31 يوما كما في نازلة الحال وقد يتضمن 28 أو 29 يوما حسب الأحوال… وإذا كان من شأن هذا التمييز أن يحدث أثرا مهما في التطبيق بحيث يمكن أن يجعل قرار المحكمة الدستورية صادرا خارج الأجل فإنه والحالة هذه صدر داخله لسبب بسيط وهو أن آخر يوم صادف يوم عطلة وبالتالي امتد الأجل إلى أول يوم عمل بعده وهو الاثنين 10/08/2026، علما أن الأجل هنا أجل كامل لا يحتسب فيه اليوم الأول ولا اليوم الأخير استنادا للمادة 47 من القانون التنظيمي التي نصت صراحة على أن جميع الآجال المنصوص عليها في هذا القانون آجال كاملة، وتبقى العبرة في جميع الأحوال لأجل الشهر عوض الثلاثين يوما لكون الدستور، قانون القوانين، أقوى من حيث التراتبية من النصوص التنظيمية ولا تسمو عليه سوى الاتفاقيات الدولية المصادق عليها والمنشورة في الجريدة الرسمية.

 

ولئن كان قرار المحكمة الدستورية صدر في الآجال الأخيرة وبالتالي فهو لم يخرق أي مقتضى قانوني من هذه الناحية فإن الأمر رغم ذلك لا يمنع من مقارنة المدة التي استغرقها صدوره بمنطوقه الذي انتهى بتعذر البت لعيب شكلي بسبب اختلال وثائق الإحالة من قبل رئيس مجلس النواب وهي 32 يوما ليطرح السؤال: هل كان الأمر يتطلب كل هذه المدة؟

 

يتبين أن الأمر لم يكن يتطلب استغراق هذه المدة الطويلة لتجهيز الملف والبت فيه لوضوح العيب الشكلي الذي كان بالإمكان الحسم فيه ابتداء في ظرف وجيز من أجل حسن سير العدالة الدستورية والحفاظ على حقوق المتقاضين كذلك لكون قطاع العدالة في شلل تام بسبب التوقف الشامل للمحامين عن أداء مهام الدفاع والاستمرار في تعليق العمل بنظام المساعدة القضائية مع الاستعداد لتصعيد الخطوات النضالية وطنيا ودوليا بناء على ما سيستجد من أحداث… فالمحكمة الدستورية منزهة، أو يفترض فيها على الأقل أن تكون في منأى عن تدبير كهذا يأباه الطبع قبل الوضع، ولا يزيد الأزمة إلا تعقيدا خلافا لما يجب أن يطبعه من حكمة واحترافية في التدبير.

 

ثالثا: إمكانية البت بدل الحكم بتعذره:

 

إن تعذر البت في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور حسب تعليل المحكمة الدستورية كان لعيب شكلي بامتياز تمثل في إرفاق رئيس مجلس النواب لرسالة الإحالة بتقرير عن الأعمال التحضيرية للجنة برلمانية بدل نسخة مطابقة لأصل نص القانون المراد مراقبة دستوريته، وهو ما لم يمكن هذه المحكمة من بسط رقابتها على هذا القانون، فخلصت إلى التصريح بتعذر البت في الإحالة على الحالة.

 

إن الخطأ والمسؤولية تتحملها الجهة المحيلة أساسا، لكن المحكمة الدستورية وهي المحكمة التي تضم نخبة من فقهاء القانون الدستوري بالبلاد لا يخفى عليها أن الإعمال خير من الإهمال، لا سيما أنه من اليسير تطبيق ذلك بل ومن المفيد والأنجع إنذار الجهة المحيلة لإصلاح المسطرة قياسا لما هو عليه الأمر في قانون المسطرة المدنية الذي يلزم المحكمة، قبل إصدار حكم بعدم القبول، بإنذار الطرف لإصلاح المسطرة داخل أجل تحدده (الفصل الأول من قانون المسطرة المدنية لسنة 1974 الذي تقابله المادة 11 من قانون المسطرة المدنية الجديد لسنة 2026)، صحيح أن قانون المسطرة المدنية لا يطبق أمام المحكمة الدستورية التي تتميز بقواعد إجرائية خاصة، لكن لا يوجد ما يمنع ذلك على الإطلاق تفعيلا للدور الإيجابي للقاضي في تدبير النزاع، وهو ما يستفاد منه أنه كان بالإمكان تدارك الوضع عبر تنبيه الجهة المحيلة لتدارك النقص في الوثائق منذ البداية عوض الشروع في مناقشة الجوهر بشكل يفترض معه قبول واستنفاذ الشكل كما عكس ذلك الكتابان اللذان بعثهما رئيس المحكمة الدستورية لكل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين قصد الإدلاء بملاحظات كتابية بخصوص مشروع القانون رقم 66.23 قبل البت في دستوريته.

 

فتأخر البت على هذه الشاكلة لم يؤد سوى إلى هدر الزمنين التشريعي والقضائي والحال أن الفصل 120 من الدستور -استئناسا به فقط لأنه يطبق فقط أمام محاكم الموضوع بجميع أنواعها ودرجاتها ومحكمة النقض- الذي ينص على ضرورة صدور الأحكام القضائية داخل أجل معقول.

 

رابعا: استحضار الاجتهاد القضائي الدستوري في نازلة سابقة مماثلة:

 

باستحضار النصوص القانونية المؤطرة لعمل المحكمة الدستورية يتضح أن المشرع لم يحط هذا الإشكال القانوني بتنظيم وفير، وهذا أمر طبيعي لأن الواقع يسبق القانون، لكن الاجتهاد السابق للمحكمة الدستورية المغربية سد هذا النقص وبين أن خللا شكليا بسيطا كهذا يمكن تداركه تلقائيا من قبل المحكمة ولا يمكن أن يحول دون بسط رقابتها للجوهر والقيام تبعا لذلك بفحص دستورية القانون موضوع الإحالة، مؤسسة بذلك لمبدأ الاستحضار التلقائي للصيغة النهائية للقانون موضوع المطابقة، وهذا ما أكدته في القرار رقم 25/2025 في الملف عدد 25/303 المتعلق بفحص دستورية مشروع قانون المسطرة المدنية الذي جاء في أحد حيثياته ما يلي:

 

“حيث إن الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور، تنص على أنه: “يمكن للملك، وكذا لكل من رئيس الحكومة، أو رئيس مجلس النواب، أو رئيس مجلس المستشارين، أو خمس أعضاء مجلس النواب، أو أربعين عضوا من أعضاء مجلس المستشارين، أن يحيلوا القوانين، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، إلى المحكمة الدستورية، لتبت في مطابقتها للدستور.”؛

 

وحيث إن رسالة إحالة السيد رئيس مجلس النواب المذكورة أعلاه، وإن تضمن موضوعها “إحالة القانون المتعلق بالمسطرة المدنية في صيغته النهائية كما صادق عليها مجلس المستشارين في قراءة ثانية”، فإن هذه الإحالة أرفقت بنسخة من “مشروع قانون رقم 02.23 يتعلق بالمسطرة المدنية”، الذي صادق عليه مجلس النواب بتاريخ 17 يونيو 2025، وتبعا لذلك قامت هذه المحكمة باستحضار الصيغة النهائية للقانون، كما صادق عليها مجلس المستشارين بتاريخ 8 يوليو 2025؛

 

وحيث إن الإحالة، قُدمت من قبل رئيس مجلس النواب قبل إصدار الأمر بتنفيذ القانون، مما يجعلها مُتقيدة بأحكام الفقرة الثالثة من الفصل 132 من الدستور؛”.

 

إن النتيجة الحتمية لقرار المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور على حالها هي التحكم في مصير قرارها من قبل الجهة طالبة الإحالة خصوصا إذا كان الدافع سياسيا أكثر منه قانونيا أو دستوريا، بحيث يكفي لهذه الأخير ألا ترفق رسالة الإحالة بالوثائق اللازمة -أو غيرها من الإخلالات المسطرية- ليتقرر تعذر البت، والحال أنه يمكن تجاوز هذا الوضع بإتاحة إمكانية الاستحضار التلقائي للنص النهائي، أو على الأقل تكليف الجهة المحيلة للقيام بذلك داخل أجل محدد، فالمحكمة الدستورية كان بإمكانها تطبيق مبدأ الاستحضار التلقائي، وهو ما يجعل إحجامها عن ذلك في هذا القانون بالذات غير مستساغ، ويطرح مسؤولية الأطر القانونية لمؤسسة مجلس النواب في الواجهة.

 

خامسا: ما هو الحل الأنجع في ظل هذا الوضع؟:

 

تمت حلول دستورية وواقعية عديدة يبقى أنجعها في نظرنا هو إعادة الإحالة من قبل نفس الجهة التي تقدمت بها للمرة الأولى عملا بمبدأ توازي الشكليات، لكن مع تدارك الخلل الشكلي بإرفاق رسالة الإحالة بأصل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة كما وافق عليه مجلس المستشارين في إطار القراءة الثانية بتاريخ 07 يوليوز 2026، ولا يمكن التمسك بالقرار رقم 277/26 المذكور أعلاه للقول بسبقية البت لأن هذه الأخيرة تثبت للقرارات الصادرة في الموضوع بعد سلامة الشكل وهو ما لم يحدث في نازلة الحال، وبالتالي يمكن تدارك الأمر مع إمكانية البت المستعجل داخل أجل ثمانية أيام بناء على طلب من الحكومة كما يتيح ذلك الفصل 132 من الدستور والمادة 26 من القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وهو طلب يفرضه اقتراب موعد إجراء الانتخابات التشريعية المحدد يوم 23 شتنبر 2026، لذلك يتطلب هذا الحل إرادة سياسية قوية لتفعيله.

 

وما يؤكد سلامة هذا الحل هو منطوق قرار المحكمة الدستورية نفسها الذي انتهى بالتصريح “بتعذر البت في الإحالة الرامية إلى النظر في مطابقة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة للدستور، على حالها”، فعبارة “على حالها” تفيد بمفهوم المخالفة أن الإحالة على حالة أخرى مستجمعة لجميع الشروط المتطلبة قانونا سيكون مآلها هو القبول من هذه الناحية والمرور لبسط الرقابة الدستورية على القانون من حيث الموضوع ما دام لم يصدر الأمر بتنفيذه بعد، وإذا لم يتم تبني هذا الحل فإنه لا يمكن تفسير هذه الإحالة المعيبة شكلا إلا بأنها كانت مدبرة ومقصودة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.