جدل “حزام الأمان للمرافق” يضع القانون في مرمى النقد

0

#المحور24
​أثار تطبيق مخالفة عدم ربط حزام الأمان للمرافق (الراكب بجانب السائق) نقاشاً مجتمعياً وقانونياً واسعاً في الآونة الأخيرة. ورغم أن الهدف الأسمى لقوانين المرور هو الحفاظ على الأرواح وتقليل نسب الوفيات والإصابات الناتجة عن الحوادث، إلا أن آلية تحميل السائق تبعات خطأ يرتكبه شخص آخر بالغ وعاقل، فتحت الباب أمام تساؤلات جدية حول “فلسفة العقوبة” ومدى انسجامها مع مبدأ شخصية العقوبة الجنائية.
​”كيف يعاقب شخص على ذنب لم تقترفه يداه؟ ….
إن تحميل السائق غرامة عدم ربط الراكب لحزام الأمان يمثل فجوة تشريعية تتنافى مع أبسط قواعد العدالة المنطقية التي تقضي بأن كل إنسان مسؤول عن أفعاله.”
أين يكمن الخلل القانوني؟
​تستند الأصوات المنتقدة لهذا الإجراء إلى مبدأ قانوني أصيل، وهو “شخصية العقوبة”؛ فالأصل في القانون أن المسؤولية الجنائية أو الإدارية تقع على عاتق الفاعل المباشر للمخالفة. وفي حالة حزام الأمان للمرافق، يظهر الخلل في النقاط التالية:
– ​الأهلية والمسؤولية الفردية: الراكب البالغ سن الرشد والمتمتع بكامل قواه العقلية هو شخص “مكلف” قانوناً، ويتحمل التبعات القانونية لتصرفاته. وبالتالي، فإن إعفاءه من المسؤولية المادية وتحويلها إلى السائق يبدو غير منطقي.
– ​حدود سلطة السائق: لا يملك قائد المركبة سلطة قانونية أو تنفيذية لإجبار مرافق بالغ على ربط الحزام؛ فأقصى ما يمكنه فعله هو التوجيه اللفظي، وفي حال امتناع الراكب، يجد السائق نفسه بين خيارين أحلاهما مر: إما الدخول في مشادة قد تؤثر على تركيزه أثناء القيادة، أو تحمل غرامة مالية باهظة نيابة عنه.
– ​الاستثناء العادل: يتفق الجميع على أن هناك فئات محددة تقع مسؤوليتها بالكامل على السائق، وهم القاصرون (الأطفال) وفاقدو الأهلية (المرفوع عنهم القلم). في هذه الحالات، يُعد السائق مقصراً في واجب الرعاية والحماية، وتكون معاقبته عادلة تماماً. أما تعميم هذا الإجراء على البالغين، فهو ما يفقد المخالفة مصداقيتها ويجعلها تبدو كإجراء تنفيذي قاصر يتناقض مع روح العدالة.
​من الناحية التحليلية، قد يبرر واضعو القانون هذا التوجه برغبتهم في تسهيل ضبط المخالفات وسرعة تحصيلها، خاصة مع الاعتماد المتزايد على أدوات الرصد الآلي والكاميرات الذكية التي ترتبط مباشرة بلوحة المركبة وسجل مالكها.
​ومع ذلك، فإن هذا التبرير الإداري يصطدم بحقيقة أن التيسير الإجرائي لا ينبغي أن يكون على حساب العدالة التشريعية. فحين يتحول السائق إلى “رقيب” مجبر على ملاحقة ركابه، فإن القانون هنا يحمله دوراً سلطوياً ليس من اختصاصه، ويخلق بيئة من التوتر داخل المركبة قد تؤدي إلى نتائج عكسية تؤثر على سلامة القيادة نفسها.
​إن القوانين لم تُوضع لتكون نصوصاً جامدة، بل هي كائنات حية تتطور بتطور وعي المجتمع وتفاعله معها. ولكي تكتسب مخالفة حزام الأمان للمرافق مصداقيتها التامة وتؤدي غرضها الردعي والوقائي، يتطلع الشارع من المشرّع تدارك هذا الأمر من خلال ثلاث خطوات أساسية:
– ​الفصل في المسؤولية: تعديل النص القانوني لربط المخالفة مباشرة بالرقم الوطني أو الهوية الشخصية للراكب المخالف، متى ما ثبت أنه بالغ وعاقل.
– ​تطوير أدوات الضبط: استثمار التكنولوجيا الحديثة لتحديد هوية المخالفين بدقة، أو تمكين رجال المرور في الميدان من تحرير المخالفة باسم الراكب مباشرة عند الضبط العيني، بدلاً من إسقاطها تلقائياً على السائق.
– ​تضييق دائرة المسؤولية التضامنية: حصر مسؤولية السائق المادية والأدبية في حدود حماية الفئات الضعيفة فقط داخل المركبة، مثل الأطفال وفاقدي الأهلية.
إن إقرار العدالة يبدأ من اتساق العقوبة مع مرتكبها. وتصحيح هذا القصور التشريعي لن يساهم فقط في رفع مستوى الرضا المجتمعي تجاه القوانين المرورية، بل سيعزز أيضاً من وعي الأفراد بمسؤولياتهم الشخصية تجاه سلامتهم، دون تحميل السائقين أعباءً مالية ونفسية لخطأ لم يقترفوه.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.