عندما تُختزل الوطنية في حب المنتخب
#المحور24
شهدت الساحة الرياضية مؤخرًا مشاهد مؤسفة تعكس تحول شغف كرة القدم من صيغته النبيلة كأداة للمتعة والتقارب، إلى ساحة من التعصب الأعمى الخارج عن القانون. فبمجرد إطلاق صافرة النهاية معلنةً هزيمة فريق أو منتخب ما، ينفجر مدرج كامل برشق المقذوفات، وتتعالى صيحات السب والشتم كـ “رد فعل” تلقائي وعنيف. هذا المشهد يضعنا أمام علامة استفهام كبرى: متى أصبحت اللعبة معياراً للوجود والوطنية؟
ما يجب أن نؤكده ونرسخه في الوعي الجماعي هو أن كرة القدم تبقى مجرد لعبة لا غير. نعم، قد تساهم الرياضة في تنشيط السياحة، وتعزيز القوة الناعمة للبلدان، وتحقيق نمو اقتصادي ، لكنها قطعا ليست من مقومات الحياة الأساسية أو أمراً لا بد منه لاستمرار الأوطان.
والمفارقة الصارخة هنا تكمن في “انفصام الأولويات” لدى المشجع المتعصب؛ فقد ينتصر منتخبه في مباراة رياضية عابرة بينما يخسر وطنه معارك اقتصادية وتنموية مصيرية في مجالات أخرى. ومع ذلك، تجد المواطن يقيم الدنيا ولا يقعدها قلقاً على شباك اهتزت، في حين يمر مرور الكرام على أزمات هيكلية تمس لقمة عيشه ومستقبل أبنائه.
إذا تعمقنا في تحليل هذه الظاهرة، نجد أننا أمام معضلة فكرية واجتماعية تتمثل في اختزال الوطنية. لقد بات البعض يقيسون منسوب حب الوطن بمدى الهتاف لمنتخب كرة القدم، وكأن الانتماء يُختزل في تتبع مسار كرة تتقاذفها الأرجل.
وفي مقابل هذا التضخيم غير المبرر لنجوم الملاعب، نلاحظ ظاهرة مؤسفة أخرى: غض الطرف التام عن صناع المجد الحقيقيين. هناك مواطنون يرفعون راية الوطن عالياً في المحافل الدولية، لكن بعيداً عن الأضواء الكاشفة للملاعب؛ علماء، وأدباء، ومبتكرون في مجالات التكنولوجيا والطب، يحققون إنجازات تضمن للأوطان مقعداً في قطار المستقبل، ومع ذلك، لا يجدون من يصفق لهم أو يحتفي بنجاحاتهم.
إن تشجيع الرياضة مظهر صحي، لكن تحويلها إلى صنم يُعبد أو معيار وحيد للوطنية هو انحراف سلوكي وفكري. الوطن يُبنى بالعلوم والآداب والاقتصاد أولاً، أما كرة القدم… فستبقى مجرد لعبة، تنتهي بإطفاء أنوار الملعب.