الوطن قبل “الكرم الزائد”: هل حان الوقت لتقنين الاستضافة المجانية حمايةً للاقتصاد الوطني؟
#المحور24
يُعرف المغرب تاريخياً بكونه “بلد الكرم والجود”، حيث تفتح البيوت أبوابها للغرباء قبل الأقرباء. لكن في ظل التحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة، والرهانات الضخمة على القطاع السياحي كقاطرة للتنمية، بدأت تطفو على السطح تساؤلات حارقة: هل بات هذا “الكرم الزائد” يضر بمصالح الوطن؟ وهل يحق للمواطن أن يحول منزله إلى “فندق مجاني” في وقت تستثمر فيه الدولة الملايير لإنعاش القطاع المهيكل؟
لقد ضخ المغرب استثمارات هائلة في البنية التحتية السياحية، بدءاً من المخططات الاستراتيجية وصولاً إلى تشجيع الاستثمارات في الفنادق المصنفة، والمطاعم، والمنتجعات. الهدف كان واضحاً: خلق فرص شغل، وتحريك عجلة المتاجر والصناعة التقليدية، وضمان مداخيل ضريبية تدعم خزينة الدولة.
بالمقابل، نجد ظاهرة “الاستضافة المجانية” أو “الإيواء غير المهيكل” تنتشر بشكل واسع. عندما يستقبل المواطن ضيوفاً (سواء كانوا أجانب أو محليين) في منزله لفترات طويلة وبشكل متكرر، فإنه يساهم دون قصد في:
إفراغ الفنادق: تراجع نسب الملء في الوحدات الفندقية التي تدفع الضرائب وتُشغل الآلاف.
تضرر الدورة الاقتصادية: السائح الذي لا يدفع ثمن المبيت غالباً ما يقلل من إنفاقه في المطاعم والمتاجر المحيطة، مما يضعف العائد الاقتصادي للزيارة.
سيادة القانون وحماية المهن السياحية
إن القضية تتجاوز مجرد “منع الكرم”، بل تتعلق بفرض عدالة المنافسة. فالمستثمر الذي اقترض الملايين لبناء فندق والالتزام بمعايير السلامة والصحة والضرائب، يجد نفسه في منافسة غير متكافئة مع “بيوت مجانية” أو “كراء سري” لا يخضع لأي رقابة.
الوطنية الحقيقية اليوم تقتضي استيعاب أن السياحة صناعة متكاملة. كل ليلة يقضيها ضيف في فندق مصنف تعني:
ضمان استمرار منصب شغل لعامل نظافة أو طباخ.
ضخ رسوم سياحية تذهب لتطوير المدن وتزيين الشوارع.
تأمين أمني وقانوني للضيف وللمضيف على حد سواء.
لا أحد يدعو لقطع صلة الرحم أو منع استقبال العائلة، لكن الإشكالية تكمن في تحول المنازل إلى بدائل دائمة للمؤسسات السياحية تحت غطاء “الضيافة”. إن “الوطن قبل الكرم” شعار يذكرنا بأن مصلحة الاقتصاد الكلي وتوفير فرص العمل للشباب في قطاع السياحة، تسبق الرغبة الفردية في استضافة الآخرين بالمجان وبشكل يضر بالمنظومة العامة.
يجب أن يدرك الجميع أن تشجيع السياحة هو مشروع وطني، والالتزام بالضوابط القانونية للإيواء هو جزء من المواطنة المسؤولة. فالكرم الذي يؤدي إلى إغلاق الفنادق وتسريح العمال هو كرم “زائد” يخدم الفرد ويضر بالمجموع.