المغرب يتقدم في الساحل الإفريقي: انكماش جزائري يقابله صعود أطلسي وتحالفات جديدة

0

“المحور24
في ظل التحولات الجيوسياسية العميقة التي تعرفها منطقة الساحل الإفريقي، يواصل المغرب تعزيز حضوره الاستراتيجي على حساب التراجع اللافت للنفوذ الجزائري، حسب ما كشف عنه تقرير جديد صادر عن “معهد الشرق الأوسط للسياسة والاقتصاد”.
التقرير أشار إلى أن الرباط نجحت في اغتنام الفرص التي أتاحتها الأزمات الأمنية والسياسية في المنطقة، حيث استطاع المغرب تعزيز شراكاته مع دول الساحل، مقابل تآكل أوراق القوة التي كانت بيد الجزائر تاريخياً، وخاصة بعد فشل مشروع أنبوب الغاز الرابط بين الجزائر ونيجيريا، عبر النيجر، وهو المشروع الذي جُمّدت دراساته من طرف الأخيرة، في خطوة تعكس تنامي الشكوك حول جدواه السياسية والاقتصادية مقارنة بخط الغاز المغربي-النيجيري الذي يحظى بدعم أوسع.
وتتوالى المؤشرات على تراجع التأثير الجزائري، إذ سجل التقرير انسحاب كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو من تحالفات أمنية كانت الجزائر أحد أعمدتها، مثل لجنة الأركان العملياتية المشتركة، بالإضافة إلى سحب سفرائها من الجزائر احتجاجاً على إسقاط طائرة مسيّرة مالية من قبل الجيش الجزائري، في حادثة وُصفت بأنها عدوانية من طرف تحالف الساحل.
في المقابل، يسير المغرب بخطى مدروسة نحو ترسيخ مكانته كشريك موثوق لدول المنطقة، حيث أطلق في دجنبر 2023 “المبادرة الأطلسية” التي تهدف إلى تسهيل وصول دول الساحل – من بينها مالي، بوركينا فاسو، النيجر وتشاد – إلى الموانئ الأطلسية عبر الأراضي المغربية، مما يمنحها متنفساً اقتصادياً بعد انسحابها من منظمة “إيكواس” التي كانت توفر لها منفذاً بحرياً عبر خليج غينيا.
وبحسب التقرير، فإن هذه المبادرة المغربية لقيت ترحيباً من دول الساحل التي باتت ترى في الرباط بوابة جديدة للانفتاح، لاسيما بعد إدماج موريتانيا ضمن هذا المشروع، في خطوة تهدف إلى تقوية الجبهة الأطلسية وصدّ أي محاولات لعرقلة هذا التحول الاستراتيجي.
في الوقت نفسه، يتقدم المغرب بخط أنبوب الغاز الضخم مع نيجيريا، الذي من المتوقع أن يعبر 15 دولة بطول يناهز 5600 كيلومتر، بطاقة سنوية تبلغ 30 مليار متر مكعب من الغاز، مما يجعله مشروعاً تنافسياً على الصعيد الإفريقي والدولي، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الجزائر في تمرير مشروعها البديل.
ويبدو أن الجزائر تسعى جاهدة للحفاظ على موطئ قدم لها في المنطقة من خلال تعزيز علاقاتها مع موريتانيا، التي تشكّل منفذاً حيوياً نحو إفريقيا الأطلسية، غير أن التحولات الأمنية والدبلوماسية المتسارعة لا تصب في مصلحتها، خصوصاً مع بروز قوى إقليمية جديدة مثل روسيا وتركيا، اللتين عززتا حضورهما عبر الدعم العسكري والمخابراتي لدول الساحل، متسببتين في تهميش الأدوار التقليدية للجزائر.
التقرير خلص إلى أن الجزائر تواجه تحديات عميقة في الساحل، أبرزها غياب الجاذبية السياسية والاقتصادية، وتباين الرؤى بينها وبين دول التحالف الجديد (AES) بشأن كيفية مواجهة الجماعات المسلحة، حيث تميل هذه الأخيرة إلى المقاربة العسكرية المباشرة، في حين تُفضّل الجزائر الحلول التوافقية، وهو ما أضعف موقعها إقليمياً، خاصة بعد إعلان مالي في يناير 2024 إنهاء اتفاق السلام الموقع في الجزائر سنة 2015.
في ضوء هذه الدينامية، يبرز المغرب كقوة صاعدة في الساحل، مستفيداً من مرونة دبلوماسيته وشبكة مشاريعه الاقتصادية الكبرى، التي تمنحه نفوذاً جديداً في منطقة لم تعد تتحمل الجمود أو الحسابات الكلاسيكية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.